الأثنين. مايو 18th, 2026

افتتاحية الرقة بوست 

هيئة التحرير

دون مقارناتٍ ومقارباتٍ تفاضلية باتت سخيفة وفاقدة لكل معنى ،بين أسوأ ما مرَّعلى السوريين من أعوام سابقة ،كان حصاد مؤتمر فيينا الأخيرتتويجاً لتفاهم أمريكي روسي شبه معلن ،وإن يكن غيرَمتناهٍ فصولاً ،وكان وليده الشرعي الذي صدرعنه مباشرة مؤتمرالرياض(كما انبثقت مينيرفا من رأس جوبيتر) ،والذي لا يعلمُ أحدٌ كيف خُطِطَ له ،وبأي معايير ،وماهي الخلفيات والمضامين التي تنوي قوى استعمارية متعددة ومتنافسة فيما بينها أن تُرَجِّحَ موازين الحلول المتصَوَّرة ،كشكلٍ نهائيٍ للمحنة السورية التي تعفنت لسنينَ مضت ،والمتوالية فصولاً وأطواراً لاتُدرَك أبعادُها ولا طبيعةُ استقرارِها النهائي.

واضحٌ بدايةً أن شيئاً من الحرج الأخلاقي الذي لامس تصريحاتِ وتبريراتِ كثيرٍمن القوى الدولية والإقليمية تُجاه ما يعانيه السوريون ،قد نجحت في التخلص منه شيئاً فشيئاً ،فلم يعد التوحش الجمعي العالمي ضد السوريين مشكلة تُقلقُ أياً من الأطراف المتصارعة، ولم تعد الوعود السيئة ونقضها السريع بوعودٍ أخرى أسوأ منها شيئاً يؤبهُ له أويُلتفتُ إليه بتاتاً .على الأقل ؛ومن باب سد العتب في حقل النفاق الديبلوماسي والسياسي لاغير. بل إن كثيراً من المنطق الذي يصدرُ يُستشَفُ من بين صدوره ،لا الكذب وحده بالمعنى الحرفي ،بل عكس ماتعنيه ألفاظُهُ وعباراتُه موازاةً بما يُمليه واقعه المسطورُ والمنظور . صحيحٌ أن السوريين قد ابتلعوا غُصَصَ آلامهم النفسية وهم يرون بأم أعينهم في مؤتمرالرياض ،وكأن نظام الأسد يوشك أن يمثلَ نفسَه ،ولكن وهو ممسوك الخناق بقبضة دولية تتحكم به وتسلبه كل إرادة ،قبالة من يُزعمُ أنهم الطرفُ الآخرُالمعارض ،وأن الله قد يُصلح الحالَ ـ ولو من باب التمني ـ فيهيىءَ لهم مابين رياض حجاب ، رئيس وزراء الأسد السابق وأحد أركان نظامه ،وبين رياض نعسان آغا مستشارحافظ الأسد وبشارالأسد السابق ،وأحد المخططين والمستشارين الأساسيين لديهما ،ووزير ثقافة الدولة الأسدية لأكثرَ من ثلاثين عاماً ،ويجعلَ مابين مِنبرِالرياضَين روضةً من رياض الحل تُزهرُبالأمل ،أيِّ أملٍ كان.

يبدو أن منطق المستعمرين الجدد يريد أن يُوَصِّلَ فكرةً للسوريين ،بل ولكثيرٍمن حلفائهم الإقليميين والدوليين ،شركائهم المباشرين على الأرض ،أنه إذا قال شيئاً فلربما قَصَدَ عكسَه ،أوعناهُ مجازاً لفظياً لاحرفياً ،ولعل قرارمجلس الأمن الأخير2254 كلَّه يدخلُ في باب المجازاللغوي والمتشابهات التي لامُحْكَمَ فيها، والتشبيه القابل للتأويل، والكلام الذي يحتاج إلى سنوات من الشرح ـ هذا إن كان له شرحٌ أصلاً ـ فإذا قيل مثلاً ،أن المفاوضات بين النظام (ولا أدري أيَّ نظام ولا المقصود منه !!) وبين المعارضة (ولا أدري أيضاً أية معارضة ولا المقصود منها !!) سوف تبدأ في الأول من ينايرهذا العام ،أي ابتداءاً من يوم غد ،فلا يجب أن تفهموا الكلام إلاعلى عواهنه ،وليس بحرفيته ،فتطالبوا بشرحٍ له ،بل لعلها مفاوضات تشبه تلك التي رعتها الولايات المتحدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ ربع قرن ،وهي ماتزال مفتوحة منذ مدريد وحتى يوم القيامة. وإذا قالوا بأن الأسدَ جزءٌ من الحل ،أومن مرحلة انتقالية .فصدقوهم ،حتى لو تمَّ الحَجْرُعلى الأسد وسلطاته أو قتله أوتغييبه عن واقع سلطاته السياسية بالملموس المباشر ،لأننا هنا في مَحْفِلِ جنونٍ متوحشٍ يقرأ الغيب بمفردات الواقع ،ويقرأ الواقع بمفردات الغيب ،فالأسد والمرحلة الإنتقالية ماهما أكثرمن رمزين سورياليين في لوحة من لوحات سلفادور دالي القابلة للتأويل بألف معنى ،وما قصة داعش والإرهاب إلامترجماً رديئاً وشارحاً عفا عليه الزمن لنصوص خطاب سياسي مهترئة ،ولم يعد سهلاً شرحُها بلغة السياسة والممكن والمنطقي.

الجديد في نهاية عام 2015 بالنسبة للسوريين هو أن هذه الغابة التشابهية المسكونة من متوحشين دوليين ،يُفترَضُ أنهم قد تخلوا عن أساليبهم الغاشمة في السطوة الإستعمارية منذ عقود بعيدة ،وعن كل هذه الشراسة والمباشرة الفجة في الهيمنة المتحللة من كل حلية الحضارة الإنسانية الحالية ،وسماتِها حتى في الحدود الدنيا ،لم تعد تلك الغابة مربكة كثيراً للسوريين ،ولاهي مرعبة بعد كل ماعاناه السوريون واختبروه فصولاً من الإرعاب والإبادة والتوحش الجماعي العالمي ،لقد ألِفوا وعرَفوا .وباتوا يعتادون على التكيف مع الأوضاع الجديدة كيفما تقلبت بهم السبل ،ولعل اختراع أساليب جديدة ومتطورة ومتناسبة مع نسق التغييرات السريعة غيرالمألوفة ،قد بات فعلاً مباشراً ويومياً ، لا اليوم ،بل منذ زمن أقدم ؛وحدثاً متناسقاً مع تقلبات الأحداث الماسة بهم أوالناتجة عن الحرب العالمية التي تدور رحاها على أرضهم .فالصندوق الأسود للسياسة العالمية ،مهما توهم شكل النهاية ،وكيفما باضع حصص المتصارعين على الأرض ،لابدَّ أن يَعِدَ بأنَّ شعباً حُكِمَ حُكماً مبرماً بإبادة جماعية ،وأريدَ له الاقتلاع من أرضه ،ثم صمد لخمسة أعوام استجاب فيها لكل أنواع تدويروتنويع أشكال القمع والإبادة والتوحش ،وعرف كيف يتأقلم معها ويُعيد إنتاجها بخبرة يومية مكتسبة ومتجددة ،لهو قادرٌ في النهاية ،وبكل وثوقية وتأكيد ،أن يصمد لخمسين عاماً قادمة ،وأن يحقق إرادته وإن تكن تلك الإرادة وتلك العزيمة مدفوعة الثمن من دمه المسفوك ولحم أطفاله المطحون.

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *