الأحد. مارس 8th, 2026

هل يؤدّي عبور وحدات حماية الشعب الكردية لنهر الفرات إلى تدخُّل عسكري تركي؟!

استشراف للخيارات التركية- الثورية في ريف حلب

بعد نجاح وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) بتحقيق الاتّصال بين كانتون الحسكة وكانتون كوباني، أعلنت تركيا أن عبور هذه القوات لنهر الفرات للوصول إلى عفرين خطّ أحمر بالنسبة لها، وقامت بالتأكيد على ذلك بعد أن قصفت طائراتها الحربية قوات من وحدات الحماية التي حاولت العبور إلى جرابلس .

ولكن وبعد تقدُّم قوات سورية الديمقراطية ( عمودها الفقري هو وحدات الحماية الكردية) مدعومة بغارات التحالف الدولي نحو سدّ تشرين واستيلائها عليه، ثم عبور هذه القوات لنهر الفرات باتجاه الغرب، كثرت التساؤلات والتّكهّنات عن ردود الفعل التركية، واحتمال لتدخّل عسكريّ تركيّ بريّ في المنطقة لإيقاف زحف وحدات الحماية الكردية التي تهدف لتحقيق الاتصال بين كل مناطق نفوذها من الحسكة إلى عفرين.

إجهاض مشروع المنطقة الآمنة كأحد أهم أهداف التدخل الروسي

لطالما تحدّث الأتراك عن مشروعهم في إقامة المنطقة الآمنة التي تمتد من جرابلس إلى إعزاز، والذي لم يلاقِ دعمًا دوليًّا، بل على العكس، فمع المحاولات التركية الجادّة للمضي قدمًا في المشروع، تعرّضت تركيا لخذلان من الناتو عندما قام الحلف بسحب منظومة صواريخ الباتريوت الدفاعية (MIM-104 Patriot) من تركيا، تزامن هذا مع نشر روسيا لـ 6 طائرات من طراز Meg – 31)) في مطار المزة العسكري قرب دمشق، وربطت بعض المصادر الإسرائيلية بين الحدثين في إشارة إلى توافق غربيّ روسيّ على إجهاض فكرة المنطقة الآمنة، حيث لا تمتلك طائرات (Meg – 31) أي ميزات إضافية في القصف الأرضي، فيما تمتلك قدرات هجومية ضد الطائرات الأخرى ( كالطائرات التركية التي يمكن أن تدعم قوات المعارضة ضد تنظيم الدولة لفرض المنطقة الآمنة).
ولاحقًا، ومع بداية التدخل الجويّ الروسي، قام الروس بنشر منظومة الدفاع الجويّ الصاروخية (SA- 22)، وتبع ذلك الاستفزازات الروسية من خلال الانتهاك المتكرر للمجال الجويّ التركي.

إلا أن التطورات الأبرز في هذا السياق، أتت بعد إسقاط الطائرة الروسية، حيث قامت روسيا بنشر منظومة الدفاع الجوي (S- 400)، وأوقفت الطائرات الحربية التركية طلعاتها الجويّة فوق الشمال السوري بطلب من الولايات المتحدة منعًا لمحاولات روسية لإسقاط طائرات تركية، الأمر الذي هدّد به بوتين في حديث له عن ردود الفعل المتوقعة على إسقاط الطائرة الروسية.

الجدير بالملاحظة والذّكر، أنه وقبل أقلّ من أسبوع من حدث إسقاط الطائرة الروسية، كانت هنالك تحركات مميزة لتركيا في دعم فصائل المعارضة السورية للتقدم على حساب تنظيم الدولة في منطقة ريف حلب الشمالي، حيث دعمت الطائرات الحربية التركية ( بمشاركة طائرات أمريكية) كلًّا من الجبهة الشامية ولواء السلطان مراد لتحرير قريتَيْ دلحة وحرجلة من تنظيم الدولة، وتحدثت مصادر تركية عن كون ذلك بداية لإنشاء المنطقة الآمنة، وألمحت المصادر التركية إلى إمكانية مشاركة فرنسية في الأمر في ذلك الوقت.

إن إسقاط الطائرة الروسية بعد هذه الأحداث المهمّة، وإن كان أمرًا لا بدّ منه بالنسبة لتركيا للردّ على الانتهاكات الروسية المتكرّرة، يجعل بعض المحلّلين والمراقبين يتحدثون عن فخّ روسي تمّ إعداده مسبقًا لإيجاد ذريعة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بإجهاض مشروع المنطقة الآمنة بشكل تامّ.

وفي نطاق ردود الأفعال الروسية على الأتراك، دعمت الضربات الجوية الروسية وبشكل واضح تقدُّم قوات سورية الديمقراطية من الغرب باتجاه إعزاز ( جزء مهم من المنطقة الآمنة المفترضة)، وفي نفس الوقت الذي يدعم الروس بضرباتهم الجوية قوات النظام في تقدمها في محيط مطار كويرس بعد أن تمّ فك الحصار عنه وباتّجاه مدينة الباب الاستراتيجية في الريف الشرقي لحلب.
ومع عبور قوات سورية الديمقراطية لنهر الفرات (والتي تعتبر وحدات الحماية عمودها الفقري)، واقترابها من مدينة منبج الاستراتيجية، أضحت المنطقة الآمنة المفترضة مهدّدة وبشكل واضح من ثلاثة محاور: قوات النظام المتّجهة نحو مدينة الباب من الجنوب الغربي، قوات سورية الديمقراطية المتجهة إلى منبج من الجنوب الشرقي، قوات سورية الديمقراطية المتجهة من الغرب باتجاه إعزاز.

في ضوء هذه المعلومات فإن الخيارات التركية المتوقعة هي

1)    التدخل العسكري البرّي المباشر:

يرى البعض إمكانية لحدوث مثل هذا التّدخّل، ويستدلّ بالحشود العسكرية التركية على الحدود، على اعتبار أن استيلاء وحدات الحماية الكردية على هذه المنطقة يمثل خطًّا أحمرَ لتركيا، وباعتبار ما قام به الأتراك من تدخُّل في شمال العراق، ولكن لا يبدو في الحقيقة أن هناك فرصة متاحة لمثل هذا التّدخّل المباشر لأسباب متعددة لعل من أهمها، عدم توفر الغطاء الجوي للقوات التركية؛ لأن تركيا أوقفت طلعاتها الجوية منعًا لمزيد من التوتّر من روسيا كما أسلفنا ( في حال استئناف الطلعات الجوية فقد يؤدّي ذلك إلى صدام مباشر مع روسيا)، إضافة إلى أنّ ذلك سيعرّض القوات التركية لخسائر كبيرة؛ لأن الحرب على تنظيم الدولة ليست نزهة، خاصة مع فقدان الغطاء الجويّ ( وقد يزداد تنفيذ الأعمال الإرهابية داخل تركيا من قِبَل تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني معًا)، عدا عن أنّ ذلك سوف يكون شبه احتكاك مباشر مع روسيا، وربّما مع الولايات المتحدة واللتين تدعمان وحدات الحماية الكردية بشكل واضح، وليس مستبعدًا أن تقوم الطائرات الروسية بتشكيل غطاء جويّ لتنظيم الدولة ضد القوات المتقدمة، فقد فعلت ذلك من قبل في قصفها قوات الجيش الحر ممهدة لتقدم تنظيم الدولة في منطقة الكفرة في ريف حلب الشماليّ، كما لا يستبعد أن توفّر مزيدًا من الدعم لوحدات الحماية بغاية استهداف القوات التركية، حيث إن وحدات الحماية تملك الدوافع الكافية للهجوم على القوات التركية، لأنها في النهاية مرتبطة  بقوات (PKK ) في تركيا، والتي تخوض حربًا شرسة داخل مدن الجنوب الشرقي التركي في الوقت الحالي (وقد يتمّ الدّعم لقوات PKK حتى داخل تركيا خاصّة بعد زيارة ديمرتاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطية الكردي لموسكو).
ويختلف الأمر هنا بشكل مطلق عن شمال العراق، والذي تعتبر أجواؤه مفتوحة منذ زمن طويل للطائرات الحربية التركية التي تقصف مواقع(PKK) في جبال قنديل، إضافة لوجود حليف واضح ذي شرعية لتركيا على الأرض، وهو حكومة إقليم كردستان بقيادة مسعود برزاني ( رغم كل ذلك تتعرض تركيا لضغوط هائلة لسحب قواتها ذات المهام التدريبية للبيشمركة من شمال العراق من مختلف الأطراف).

وبناء على كلّ ما تمّ سرده، فإنه من المستبعد تمامًا أن تقوم القوات التركية بالتّدخّل العسكري المباشر، وهو الأمر الذي لم تفعله عندما كانت الظروف المحيطة أقلّ تعقيدًا من الظروف الراهنة.

2)    دفع فصائل المعارضة للمشاركة في قوات سورية الديمقراطية عبر صفقة مع الولايات المتحدة:

وذلك بشكل مشابه لدفع تركيا للجيش الحر بقيادة العقيد عبد الجبار العكيدي للمشاركة في تحرير كوباني، وهو يبدو خيارًا معقولًا ومجديًا جدًّا في هذه المرحلة الصعبة وظروفها الخاصة مع تعقّد الوضع، وهنا يجب على فصائل المعارضة المختلفة عدم تكرار ذات الخطأ مرتين، عندما تم خذلان هذه الفكرة، وتمّ تخوين العقيد العكيدي من بعض الفصائل، وشاركت بعض الفصائل فقط بأعداد رمزية بسيطة، وقد صرّح العكيدي بالقول:
(لو أرسلت تلك الفصائل قواتها معنا، ولو كنا 200 – 300 مقاتل لاختلف الوضع عما هو عليه تمامًا، لما سمحنا لـ ‹PYD› من الدخول لأية قرية عربية).
ولعل ما يدلّ على إمكانية اتجاه تركيا لمثل هذا الأمر، تصريحات المسؤولين الأتراك حول نفي عبور الوحدات الكردية لنهر الفرات، مع الإشارة إلى أن هذه القوات هي قوات عربية غير معادية لأنقرة، مما يدلّ على قبول أنقرة بواقع مشابه عبر إدخال قوات المعارضة السورية الموالية لها تحت غطاء قوات سورية الديمقراطية.

وقد تسارع بعض فصائل الجيش الحر السابقة المطرودة من المنطقة على يد تنظيم الدولة للانضمام لقوات سورية الديمقراطية لاستعادة مكانتها في مناطقها ولحمايتها من انتهاكات وحدات الحماية، وهنا على فصائل المعارضة الأخرى أن تتوقف لتتبين الأمر وتفكّر به جيدًا قبل الإمعان في تخوين وتكفير واستعداء مثل هذه الفصائل، وفي الحقيقة، وحتى وقت قريب، كان بعض الشرعيين في بعض الفصائل يجادلون في مدى شرعية التحالف مع تركيا ضد تنظيم الدولة، وربما بشكل مشابه لنقاش رهبان القسطنطينية أثناء حصارها حول جنس الملائكة!.

3)    دعم فصائل المعارضة بالقصف المدفعي:

يمكن للقوات التركية استهداف مواقع تنظيم الدولة عبر الحدود بمختلف أنواع الأسلحة المدفعية، والتي قد يصل مداها المجدي بحسب بعض الخبراء حتى 40 كم ( أفيد عن حدوث قصف مدفعي تركي على مواقع تنظيم الدولة على الحدود البارحة في التاسع من كانون الثاني)، إلا أن البعض يشكّك بتأثير القصف المدفعي مقارنة مع القصف الجوي الأكثر دقّة وفعالية، وعلى فرض حدوثه وتقدّم فصائل المعارضة في المنطقة، فإنها لابدّ ستلتقي بقوات سورية الديمقراطية وقوات النظام، واللتين تبدوان أقرب بكثير من قوات المعارضة للوصول إلى الباب و منبج الاستراتيجيّتين في المنطقة، وعندها سنصل إلى نفس المعادلة الموجودة الآن قرب إعزاز، وهي معادلة راجحة لصالح قوات سورية الديمقراطية وداعميها من الروس والأمريكان، فعلى المدى البعيد، سترجح الكفة ضد قوات المعارضة المدعومة فقط من تركيا.
ولكن يبدو هذا الخيار معقولًا ومجديًا لتقوية أوراق تركيا في حال أرادت الوصول لخيار مشاركة فصائل المعارضة تحت غطاء قوات سورية الديمقراطية أو أي غطاء مشابه، وهو ما سنعبّر عنه بالمزج بين الخيارين.

4)    المزج بين الخيار الثاني و الثالث:

وهو كما أسلفنا عبر دعم قوات المعارضة في تقدّمها بالقصف المدفعي، ثم التفاوض مع الولايات المتحدة لإدخال الفصائل المتحالفة مع تركيا تحت غطاء قوات سورية الديمقراطية، الأمر الذي سيهيّئ لهذه الفصائل شرعية تقيها الاستهداف الأمريكي الروسي لها تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وهو الخيار الذي يبدو الأكثر منطقية، وعلى فصائل المعارضة أن لا تبتعد عن المقاربات التركية للموضوع أبدًا إذا سلكت مثل هذا الاتّجاه، مع ضرورة عدم التّعويل على تدخّل عسكري تركي مباشر لصعوبته وتعقيداته، والتفكير مليًّا في الخيارات الأقلّ سوءًا التي يمكن الوصول إليها في ظلّ الاستنزاف الكبير لقوات المعارضة على مختلف الجبهات، فالسياسة هي فنّ الممكن واختيار أدنى المفاسد والتّدرج في تحقيق الهدف بعيدًا عن المثالية في تصور القضايا والنظرة إليها بلونَيِ الأبيض والأسود فقط.

المصدر : الدرر الشامية

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *