افتتاحية الرقة بوست

افتتاحية الرقة بوست 

مدير التحرير

في الثورة السورية تتجلى كثيرٌمن الحقائق الصادمة ،وتبرزُ لأول مرة في تاريخ البشرية قديماً وحديثاً ،فلأول مرة تجتمع كل أمم العالم وحكوماتها وشعوبها ، وتُجمع على الوقوف صفاً واحداً ،وقلباً واحداً مع الظالمين ضد المظلومين .ولأول مرة يقف كل الناطقين باسم الأديان السماوية والأرضية وسدنتهم ،مع الشيطان ضد الله .لأول مرة يصبح قتل الناس بالمئات ،وبكل أنواع القتل المتصوَرة والمتوقعة والخيالية ،” وجهة نظر” و” خيار سياسي ” . ولأول مرة تجد أصدقاء مزعومين للشعب السوري يخذلونه ويـتآمرون عليه ،ويتحالفون مع عدوه ضده .لأول مرة يقف الديمقرطيون والمدنيون والحداثيون والعلمانيون مع همجية البرابرة ،وبقايا الفايتنغ المتوحشين ضد الحرية والديمقرطية .ولأول مرة ترى روسيا القيصرية الجديدة أن ما ينفع السوريين هو وجود حاكم علوي أوشيعي على رأس السلطة، وتجيش جيشها الجبار وتقدم به إلى الشرق غازية في سبيل هذه الغاية . وتدخل الولايات المتحدة على الخط في الخلاف بين علي ومعاوية ، وترى أوربا أن المشكلة كلها سببها أبن تيمية .وترى تركيا (التي أبادت ملايين الصليبيين العابرين لاحتلال الشرق ،ومنعت عبورهم فترة ظهور السلاجقة ،أن عبور آلاف الدواعش لقتل السوريين عبر أراضيها هو أمر لا يمكن السيطرة عليه ).لأول مرة يغدق أهل الخليج وجزيرة العرب من مليارات الأموال ،ما يكفي لتبليط محيطات وبحار كوكب الأرض بالدولارت ،وينفقون على أهل الملاعب والفن وبناء الدور والقصور والابراج ،ومسابقات الهجن والمعز ،بينما يموت أهل الشام جوعاً على مرأى ومسمع من الجميع .ويرى (بان كي مون) أن غرق عشرات آلاف الهاربين من جحيم الحرب في بحر إيجة أمر يدعو للقلق . ولا شيء أكثر من القلق .

ولأول مرة تجد المنظمات العالمية لحقوق الانسان ،أن تسعين ألف صورة موثقة لضحايا التعذيب الوحشي في زنازين نظام الأسد ،هي وثائق أرشيفية ممتازة يجب أن تصنف بأرقامها على رفوف المنظمات ،وأن يُكتب عليها ” للحفظ ” ..ولأول مرة تهز الأمم المتحدة ومجلس الامن أكتافهما إزاء حصار الناس وقتلهم تجويعاً .وتعتبره ” شيئاً عادياً لا يستحق حتى مجرد الذكر أو التعليق ” .لأول مرة يقف العرب والعروبة مع الفرس ضد العرب ، ويقف المسلمون ضد إخوانهم المسلمين مع القتلة والمتوحشين ..ويقف الماركسيون واليساريون مع قتلة وسفاحين وجلادين ،ضد الأطفال والنساء المقتلين المشردين المعذبين ..وتذهب الفلسفة والعقل والمنطق مذهباً ووجهة نظر أن الطفل السوري الغريق (إيلان) ،ربما لو كبر وصار شاباً ،لتحول إلى إرهابي يفجر في باريس ولندن .

لأول مرة يجد المسلمون أن رسومات شارلي ايبدو تستحق الخروج في آلاف المظاهرات المنددة ،بينما شلالات الدماء المسفوكة منذ خمس سنوات تستحق التزام الصمت ،لأنها طبيعية ،ومن فتن آخر الزمان ـ أعاذنا الله من الفتن ـ التي كنا نتوقعها ونقرأها وننتظرها .لأول مرة ترى الإنسانية أن إلقاء البراميل المتفجرة على مئات السكان الآمنين من الرجال والنساء والأطفال ، وقتلهم بالمئات كل يوم ، هومجرد هجوم روتيني على مواقع إرهابيين .وترى الإنسانية أن قصف المتجمعين على الأفران لشراء الخبز ،بالصواريخ والطائرات ،هو خطأ عسكري مؤسف في التسديد وتحقيق الإصابات ..ماكان يجب له أن يحدث .ولأول مرة يكون حصد الناس بالأسلحة الكيماوية ” سلوكاً غير مقبول” .مثل القهقة بصوت عالٍ في كافتيريا رومانسي .

جل ما أخشاه ، أن تكون البشرية قد ارتدت إلى حيوانيتها الأولى ، وإلى منشأها العضوي غير العاقل . حتى يأتي عليها يوم يصح القول فيه . ولأول مرة .إن داعش أجلى في إنسانيتها وأرقى مدنية من أرباب أمرها الذين اخترعوها.

اترك رد

Translate »