هدية واجبة لسيد الكرملين

هدية واجبة لسيد الكرملين

ماجد عبدالهادي

معطف أو سترة لاعبي الـ “آيس هوكي”، وبندقية كلاشينكوف، ومخطوطة قديمة من القرآن الكريم، وصقر، هي أشهر الهدايا التي صار معروفاً أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قدّمها، خلال عام مضى، أو أزيد قليلاً، لعدد من قادة هذه المنطقة. كانت الأولى، ثم الثانية، من نصيب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونال الثالثة مرشد الجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، ثم تلقى الرابعة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بينما حظي قادة آخرون، في مناطق أخرى من العالم، بتقدمات بوتينية مختلفة، وكلها، كما هذه، تثير الحيرة، فيصعب تخمين الاعتبارات الكامنة وراء اختيارها، وتدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت مثقلة بالترميز السياسي، أو أنها بريئة منه.
لا صلة، طبعاً، نستطيع رؤيتها بين الهدايا الأربع، سوى أنها جميعاً مقدمة من زعيمٍ يستميت في تقمص هيئة القيصر، ولا معلومات متاحة، توضح ما إذا كان يحيي بسلوكه تقليداً إمبراطورياً ميتاً، أو أنه يميل، إلى أن يستعرض أمام الكاميرات ما يفعل الزعماء، عادةً، خلف الأبواب المغلقة.
لكن، وأياً ما كان الأمر، فإن فيه ما يستدعي التأمل، وربما الاستنباط. لو رجعنا، مثلاً، سنوات إلى الوراء، لرأينا أن بوتين كان قد أهدى الرئيس الفنزويلي اليساري الراحل، هوغو تشافيز، ذات مرة، جرواً صغيراً من فصيلةٍ كانت معروفة أيام الاتحاد السوفييتي باسم “كلب ستالين”، كما منح الرئيس الصيني، شي جين بينغ، جهاز هاتف نقال من صنع روسي، وقدم لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رسالة قديمة من ديفيد بن غوريون أول زعماء إسرائيل.
هل يعمد سيد الكرملين إلى أن يُلغّز هداياه بما يتخطى معنى الود الظاهر إلى المكر الخفي؟ ربما، وربما لا. ذاك سؤالٌ، يظل جوابه في بطن رجلٍ قضى نصف عمره ضابطاً في المخابرات، وإن كان في موقفه ما يُغري، باستعراض هداياه الأخيرة، مع ترك قراءة ما وراءها، لكلٍّ حسب فطنته، خبثه أو براءته.
كانت روسيا أول دولة تعترف بالانقلاب الذي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي على الرئيس محمد مرسي، وحين زار موسكو بصفته وزيراً للدفاع، أهداه بوتين معطف لاعبي الـ “آيس هوكي”، وهي رياضةٌ يتبارى فيها المتبارون على الجليد، ويرتدون زلاجات، لكي يتمكنوا من الانزلاق بسرعة، وهم يحملون العصيّ لاستخدامها في تحريك قرص نحو المرمى. بعد ذلك، كانت بندقية الكلاشينكوف، السلاح الأكثر استخداماً للقتل في العالم، هي الهدية التي جاء بها القيصر إلى نظيره المصري، حين تولى الأخير منصب الرئاسة.
في جهة أخرى من هذه المنطقة الملتهبة بصراعات نفوذٍ دوليٍّ تحت شعارات مذهبية، شاهد العالم رجل موسكو القوي الذي أعاد تسخير الكنيسة الأرثوذوكسية لخدمة أحلامه القيصرية، وقد حمل ما قيل إنها أقدم مخطوطة للقرآن الكريم في روسيا، كي يهديها إلى حليفه مرشد إيران، التي لا يشكل سكانها سوى عشرين في المائة من المسلمين في العالم.
أما أمير قطر، وهي دولة تقف على طرف نقيضٍ من موقف روسيا في كل خلافات المنطقة تقريباً، فكان الصقر هديةً تلقاها من بوتين لدى زيارته أخيراً إلى موسكو، والصقر بعض من تراث الخليجيين العرب في الصيد.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، تحضر هنا صورة الرئيس السوري بشار الأسد، حين زار موسكو قبل شهور، وعاد من دون أن نرى بوتين يقدم له أية هدية، ثم سرعان ما لحقت به هداياه، صواريخ موجهة وقنابل عنقودية، تلقيها طائرات ميغ وسوخوي على السوريين في مختلف أنحاء بلادهم، وتثير لدي شخصياً رغبة برد الواجب: لو كان لي أن أقدم للرئيس الروسي هدية كهداياه، لقدّمت له، بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن ذوي ضحاياه العرب، ألبوم صور تاريخي للجيش السوفييتي في أفغانستان، منذ لحظة الغزو، حتى لحظة الهزيمة.
المصدر:العربي الجديد

اترك رد

Translate »