الأحد. يونيو 14th, 2026

معبد الحسون

( لن يذوق “ماكبث”طعم النوم بعد الآن..فلقد قتل رجلاً نائماً..لذا فلن يذوق طعم النوم؛ لن ينام ماكبث بعد الآن..)

يقوم القائد والوزير ” ماكبث ” بقتل صديقه الملك ، ثم قام بقتل أعز رفاقه الذي اطلع على سرِّ جريمته تلك ..لقد علق ذات مرة أحد النقاد على مسرحيات شكسبير، فوصفها بعبارة صحيحة في المجمل ، حيث قال : إن مسرحيات شكسبيرهي عبارة عن (قتل في قتل)..وهذا صحيح بكل تأكيد ،فشكسبير اعتاد في معظم أعماله أن يغرق المسرح بالدماء في كل مسرحياته..ربما لأن هذا الإغراق هو أشبه بواقع الحياة الأليم ..فعلى سبيل المثال ،في مسرحية (ريتشارد الثاني) ،وقبل فتح الستارة وبدء المسرحية تظهر عشرون جثة على خشبة المسرح..!! ثم بعدها يقوم البطل بقتل ثمانية أشخاص أمام الجمهور..!! وقبل نهاية المسرحية ،تحدث معركة يموت فيها خمسة عشر شخصاً ..!! إن الدماء تسيل من فوق خشبة المسرح وصولاً إلى أقدام جمهورالمتفرجين ..!

نعود الى “ماكبث” ..

عندما قص ماكبث على زوجته تلك النبوءة الغريبة التي ألقت بها الساحرات الثلاث في مسمعه ، وما تلا ذلك من أحداث ؛وكانت “الليدي ماكبث” سيدة شريرة تطمح إلى مكانة عالية لنفسها ولزوجها ،وتتمنى لو أنها هى وزوجها يصلان الى هذه المرتبة العظيمة بأية وسيلة كانت . فأخذت تناقش ماكبث فى ذلك الأمر ، ولم تتورع فى أن تقول له : ــ (إن قتل الملك أمرٌ ضروريٌ جداً لتحقيق النبوءة) .
وحدث فى تلك الفترة أن قام الملك بزيارة ماكبث فى قلعته ، بصحبة ولديه “مالكولم” و”دونالبين” ،ومجموعة من اللوردات والمستشارين لتهنئة ماكبث بانتصاره فى الحرب..كانت قلعة “ماكبث” مبنية فى مكان لطيف ،والهواء هناك منعش وصحي ،حيث أقامت طيورالسنونو أعشاشها على الجدران ،ذلك أن هذه الطيور ،لا تقيم أعشاشها إلا فى الأماكن المعروفة بجوِّها الطيب ،وعندما دخل الملك ، سعد جداً بالمكان ،وسعد كذلك بنفس القدر لذلك الاهتمام والاحترام والتبجيل الذى لاقته به السيدة المضيفة “ليدي ماكبث” ،والتي كانت تجيد فن تغطية أهدافها الشريرة وراء ابتسامتها ؛وتبدو كالزهرة البرية التي تخفي حية تحتها.. !
وبسبب تعب الملك من الرحلة ،فقد ذهب مبكراً إلى الفراش ،وبصحبته اثنان من خدمه الخاص(كما جرت العادة) ،حيث يحرسانه وينامان بالقرب منه .. كانت سعادته بهذا الاستقبال غير عادية ،حتى أنه قام بتوزيع بعض المنح والهدايا على الضباط الكبار ، وقبل أن يذهب للنوم ،ومن ضمن هذه الهدايا ، أرسل ماسة غالية القيمة إلى “الليدي ماكبث” ،تحية لها على ما بدر منها وما أبدته من كرم الضيافة والترحيب ..وفي منتصف الليل كانت “الليدي ماكبث” مستيقظة تخطط لقتل الملك ” دنكان”. وهي لم تكن تفعل ذلك خروجاً عن المألوف بطبيعة كونها امرأة ، لكنها كانت متخوفة من طبيعة زوجها المترددة من أن تكون مشبعة بلين العاطفة الإنسانية للقيام بعملية القتل .ورغم أنها كانت تعرف رغباته الطموحة ؛لكنه كان امرأً يخشى ارتكاب الأخطاء الفاحشة ، ذلك أنه لم يستعدَّ لارتكاب مثل هذا الجرم العظيم .
وصحيحٌ أنها نجحت فى اقناعه بالجريمة ، لكنها كانت تشك فى ارادته بالتنفيذ ، ولتلك الرقة التى كان يتميز بها قلبه ( إذ كان أكثر منها كرماً ولطفاً ) والتي قد تعوق تنفيذ المهمة . لذلك قامت هي نفسها بالذهاب الى حجرة نوم الملك وبيدها سكين حادة ، واقتربت من سرير الملك ، وقد عملت حسابها أن يكون الخادمان فى حالة سكر وغافلين عن الحراسة .
كان الملك “دنكان” يرقد نائماً يشخر من أثر تعب الرحلة؛ وعندما نظرت إليه عن قرب، وجدت فى وجهه وهو نائم شيئاً ما ، جعلها تفكر فى والدها . ولم يطاوعها قلبها أن تهم بقتله.. !وعادت لتتحدث مع زوجها، وطلبت منه ثانية أن يقتل الملك ، فقال:هو ضيفي فكيف أقتله..! فاتهمته بأنه جبان..وقالت له:أنا سأقتله..! وفعلاً أخذت سكيناً بعد أن نام الخادمان من الشرب..وعندما همت بطعن الملك بالسكين..شاهدت وجه أبيها على وجه الملك(لاحظ..ربما هو الضمير بداخل النفس البشرية) فرجعت ولم تقدر أن تقتله. لقد بدا “ماكبث” متردداً متراجعاً حيال ذلك الأمر، فهناك عدة اعتبارات تقف الآن ضد هذه الفعلة . ففي المقام الأول هو ليس شخصاً عادياً، بل من المقربين إلى الملك؛ كما أن الملك يحل فى ضيافته اليوم، ومن واجب المضيف أن يمنع أية محاولة لقتل ضيفه، لا أن يحمل هو سكين الجريمة، بل ولقد رأى ” ماكبث” أن الملك “دنكان” ملك شفوق رحيم ، واضح فى خصومته مع أعدائه، ومحب لأعوانه من النبلاء، وبالنسبة له بصفة خاصة..إن مثل هؤلاء الملوك هم رسل العناية الإلهية، وسوف يلقى كل من يؤذيهم العقاب مضاعفاً من أعوانهم. هذا بالإضافة إلى أن الملك كان يخصه دون الرجال جميعاً لرجاحة فكره؛ فكيف يلوث كل هذا التكريم بدماء جريمة بشعة كهذه ؟ ! .
واكتشفت “الليدي ماكبث” أن زوجها بدأ يتحول تجاه الخير، وقرر ألا يتمادى فى ذلك الأمر أكثر من ذلك..لكنها كانت امرأة من ذلك النوع الذي لا يتراجع عن هدفه الشرير بسهولة..فبدأت تصب فى أذنيه كلماتٍ تشحنُ رأسه بوجهة نظرها..وأخذت تقدم له المبرر تلو المبرر لكي لا يتراجع عن تحقيق ما وعدته به الساحرات؛ وكم سيكون التنفيذ سهلاً؛ وكيف أن فعلةً مثل هذه ذات ليلة قصيرة سوف تسعد باقي لياليهم وأيامهم القادمة، وتوصلهم إلى العرش والسلطة الملكية ! .وأخذت تسخر من تراجعه عن قصده ووصفته بأنه متردد وجبان. .
وهكذا ، تناول الخنجر فى يده ، وتسلل بخفة إلى الحجرة التى يرقد فيها “دنكان”..ولكن بينما كان في طريقه، تخيَّل أنه رأى خنجراً آخر فى الهواء، مقبضه يتجه ناحيته، ونصلُهُ يقطرُ دماً. وعندما حاول أن يمسكه ، لم يكن هناك شئ سوى الهواء، وأن الأمر ليس إلا مجرد خيالات ، نتيجة لما يدور فى رأسه المحموم والمهمة التي ينبغي عليه أن ينفذها ..
ونفض عنه خوفه، ودخل غرفة الملك، وقتله بضربة واحدة من خنجره..وبمجرد اقتراف الجريمة، ابتسم أحد الخدم المرافقين للملك وهو نائم ، بينما صاح الآخر: ” جريمة “..واستيقظ الاثنان..وشرعا فى تلاوة صلاة قصيرة، وقال أحدهما:” فليغفر لنا الله..! ” فأجاب الآخر:” آمين ! ” ثم عاودا النوم مرة ثانية.. وحاول ماكبث الذي كان يقف مصغياً إليهما، أن يقول مثلهما: ” آمين “، عندما قال أحدهما:” فليغفر لنا الله !”..إلا أن الكلمة وقفت في حلقه، فلم يستطع أن يقولها، رغم أنه كان فى حاجة ملحة للمغفرة .. !
وتخيل أنه سمع صوتاً يصيح :” لن يذوق ماكبث طعم النوم بعد الآن..لأنه قتل نائماً ، نائماً بريئاً، وهذه سنة الحياة “..وظل الصوت يردد صيحاته فى أرجاء البيت : ” لن يذوق طعم النوم بعد الآن ، فلقد قتل لورد جلاميس رجلاً نائماً، لذا فلن يذوق لورد كاودور طعم النوم؛ لن ينام ماكبث بعد الآن ..
ومع طلوع الصبح ، اكتشفت الجريمة التى لا يمكن إخفاؤها، وأظهر ماكبث وزوجته حزناً كبيراً، وكانت الأدلة ضد الخدم من القوة بما فيه الكفاية لإدانتهما . رغم أن كل الاتهامات الخفية كانت تشير إلى أن ماكبث هو الذى فعلها ، لأن لديه من الدوافع القوية أكثر مما لدى الخدم المساكين للقيام بذلك ؛ وهرب ابنا “دنكان” : مالكولم  الأكبر، إلى إنجلترا ، ودونالبين الأصغر إلى إيرلندا ..
وبهروب ابني الملك اللذين كانا من المفروض أن يخلفاه في الملك، أصبح العرش خالياً، وتوِّج ماكبث ملكاً ، وهكذا تحققت نبوءة الساحرات تماماً .

يعيش “ماكبث” في جحيم الوساوس وعذاب الضمير،بسبب عدم قدرته على النوم والكوابيس التي تراوده،ولكي ينفرد بالحكم يجب عليه أن يقتل صديقه (بانكو)وابنه حتى لاتتحقق نبوءة الساحرات..وبيت النية على قتل(بانكو)وذلك بأن يستأجر رجلين لقتله هو وابنه في الطريق، بعد أن دعاه لوليمة..يُقتل(بانكو)، لكن ابنه يهرب، ويشاهد ماكبث شبح(بانكو)فينهار أمام الناس..

يبدأ الناس يكرهون “ماكبث” وزوجته لمعرفتهم بأنه هو المستفيد من قتل الملك، وتنتحر زوجته “الليدي ماكبث”، بسبب كره الناس لها ..أما (ماكدف)أحد قادة الجيش فيتمرد على “ماكبث”, فيحاول “ماكبث” قتله، لكنه يهرب، فيقوم “ماكبث” بقتل زوجته وابنه.. ولكي يرتاح “ماكبث” من عذاباته يذهب إلى الساحرات ليطمئن على ملكه,فتخبره الساحرات بأن ملكه بخيرحتى تنتقل غابة (في مكان بعيد) إلى اسكتلندا..يرتاح “ماكبث” ويطمئن على ملكه، فما الذي سوف يجلب غابة من مسافات بعيدة إلى قصره؟..يخبره أحد الحراس بأن هناك غابة تتحرك، فلايصدق “ماكبث”، ولكن عندما يخرج يشاهد جنود (ماكدف) المتمرد عليه وابن الملك(دنكان)حاملين أوراق الأشجار من الغابة للتخفي..بعدها تقع المعركة الفاصلة  ويُقتل “ماكبث” في المعركة ..

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *