إن الصراع الإجتماعي هو : فـي / وبين مكونات مجتمعه ، وبما ان الغالب منا متفق على ان مجتمعنا السوري هو مجتمع ما قبل قومي قبائلي وطوائفي ، لذلك لابد من القول : إن الثورة السورية القائمة فـي مـجتمعها هي فـي / ومن طوائفه وقبائله . وقـد أشرت فيما سبق إلـى ثابتة ، وهي : أن الطغمة الأسدية وحواشيها جهدت كل وقتها ، أن تكون سلطتها نوعية وإستثنائية ، من خلال سلوك سياسي يمتاز بالخبث والدهاء ، وظاهره التماهي والتلبس بشعارات وطنية وقومية . طُغمةٌ لا هـمَّ لها سوى تـمويه العهر الذي تـختزنه فـي أهدافها الـمدمّرة ، سلطةٌ محورها الأساسي طائفةٌ بعينها . الديكتاتور حافظ الأسد استطاع ، بعقلية حربائية دنيئة ، أن يـمدّ جسد قبضته العسكرية والأمنية والسياسية ببعض الجيوب من الطوائف أخرى ، بعد أن عمل علـى إغوائها بالمال والسلطة والفساد ، وقد استطاع أن يُوْهـم طائفته التي تشكّل قوام وجود ديكتاتوريته علـى أنها فـي خطر ماحق إنْ لـم تقبض على عنق الناس جيداً , وقد تمّ ذلك بالسيطرة الشاملة على ساحات المجتمع الإقتصادية والأمنية والعسكرية والدينية ، واستطاع أن يُصنّع على سدّان دهائه ساحة سياسية بعنوان : الجبهة التقدمية . استنفر طائفته بالترهيب والترغيب ، ودعاها لأن تكون مستعدّة دائماً في مواقعها القتالية مدجّجة بالكره والحقد الطائفي نفسياً وذهنياً ، كما زجّ معها ما انتقاه بعناية من بقيـّة الطوائف ، إنتقاءا مأمون الطاعة ومضمون العبودية ، مبتذلا وساقطا وطنياً وأخلاقياً ، ونكـَّهَ به طعمَ مُكْرِهِ القاتل . بوضوح أكثر : أقليـَّة دينية مذهبية ، صارت تـحكم كل المجتمع ، ولأنها كذلك ؛ أي دينية ومذهبية وتـحكم الأكثرية ، لا بدّ من خلال ممارستها السلطة أن تـتحوّل إلـى كتلة صـمـّاء وكارثية ، ولأنها غالت وتـمادت بغيّها واستباحة حياة الـمجتمع بـمهانة وإذلال عـجيب كاد أن يودي بالـمعنى الإنساني للمجتمع السوري ، بدأت ضرورة البقاء وحق الحياة وبصورة لم يلحظها أحد تمدّ جذورها في عمق المجتمع ، لقد تحوّل ذلك القهر والإضطهاد في مـجمر وجدان الناس إلى موعد مع الحرية والكرامة ، هـذا ما قالته وماتؤكده الثورة … بلا خجــل آيديولوجيّ ، أو ارتباك فكريّ ، أو منطقيّ ، ودون الشعور بالتنازل ، عـمّا يُعتقَدُ به من نظريات أو مقولات أو مفاهيم ، أقول : إن الـمكوّن الأساسي لثورة الشعب السوري هو : الطائفة السنية ؛ لكن من الـجحد في نفس الوقت ، ألاّ نعترف بوجود من تعشّق فـي جسد الثورة من طوائف أخرى ، وهو يبذل كل مايستطيعه حتى روحه بصدق وتضحية ناصعة . كما أن الـمنطق الـفعلي لن يسامح أحداً ، إن لـم نثمّن النضالات السياسية التي سبقت الثورة ، وامتدّت علـى مدى ما يقارب النصف قرن ؛ تلك النضالات العميقة والعنيدة فـي ظلّ أخطار تهدد الحياة مباشرة بالسحق والإعدام ، إنه نضالٌ يـُجبر علـى الإنتباه والإحترام ، ولا بدّ من الإشهار بأن العمل السياسي فـي تلك الـمرحلة كانت الطوائف الأخرى وجميعها تقريباً حاضرة بقوة وفعالية ، وخاصّة الطائفة العلوية . بعد هذه الرؤية ، فمن طبيعة الأمور أن أعلن انتمائي للأكثرية الثورية ، لأنها ليست وقود الثورة لـحماً ودماً وارواحاً فحسب ، بل لأنها تشكل المجتمع ، مجتمعي ، شـعبـي الثــائر , ومستقبله . فـمن يـُدرْ ظهره لذلك الـحق والحقيقة ، خان واقعه ، وخرج منه وعليه . كيف إذاً سنفعّل مفاهيم حديثة كالعلمانية والديمقراطية فـي واقع مازال ما قبل قوميّ ، أي ماقبل حديث …؟ لكن هذا لن يكون إلا بالإنتماء للثورة ، وهذه الثورة بالذات ، قبل أن ننصب أنفسنا عليها خطباء وكهنة … يــتـبـع …
أديب البردويل : كاتب وباحث سوري