الأحد. مارس 8th, 2026

معبد الحسون

في المعارضة السورية قد يثير دهشة المراقب للواقع السوري من خارجه أن يرى الدائرة الضيقة، الخاصة بالعائلة الأسدية الحاكمة وقد تحولت إلى صفوف المعارضة بين ليلة وضحاها، وقد غسلت يدها من النظام وكأنها لم تكن يوماً على رأس القرار فيه(رفعت الأسد وأولاده مثالاً)، وأن يرى يسارين شيوعيين قضوا شطر أعمارهم في سجونه وقد تحولوا إلى مُنَظِّرين مدافعين عن شرعيته، ومثقفين كبار متطرفين في ليبراليتهم وعلمانيتهم وقد تحولوا إلى دهاقنة كبار في تبني الطائفية السياسية، ومعارضين في هيئات حقوق الإنسان ومؤسساتها أنفقوا عمرهم يحصون جرائمه، ثم فجأة استحالوا إلى شبيحة أو رؤساء ميليشيات تدافع عنه، وأن يرى مستشاري النظام وقناصله ووزرائه ورؤساء حكومات في دولته وقد تحولوا بين ليلة وضحاها إلى رأس مؤسسات المعارضة، وسلفيين جهاديين قضوا عمرهم يؤكدون على كفره وأوجب الواجبات في جهاده والإطاحة به، ثم يكتشف الرأي العام أن مرجعياتهم الحركية كلها ترتد إلى قادة فروعه الأمنيين، ومناضلين تاريخيين تعفنوا في سجونه ردحاً، وحين وصلوا بالصدفة إلى إحدى مؤسسات المعارضة المتواضعة رسَّموا أنفسهم كـ” مسؤولين كبار عن أمة”، وأقروا لأنفسهم ومن يحيط بهم رواتب تفوق رواتب رؤساء جمهوريات كبرى في العالم، واستحدثوا عشرات المناصب الوهمية لأقرباء وأصدقاء وأبناء بلد وحاشية مقربة، واشتروا منذ اليوم التالي عشرات السيارات الفاخرة، وعينوا عشرات المستشارين الذين لاوظيفة لهم، والذين يقبضون رواتبهم العالية الشهرية بالدولار. وغالباً ما يكونون قد دخلوا السجون وعارضوا النظام في سيرته المشينة من أجل بعض السلوك الذي عصف بهم واضطلعوا به ما إن تنسموا هواء سلطات ومسؤوليات بسيطة الشأن، وأصحاب المظلومية التاريخية من المعارضين الأقواميين، والذين ربما دفعوا ثمن مواقفهم المعارضة للنظام دماءً وسجوناً واضطهاداً يحسب لهم في صحائف التاريخ، وإذا بهم فجأة يقتنصون فرصة للنصرعليه، فيهدرونها بتحولهم إلى جندٍ منضبطين تحت إمرة ضباطه وقادة فروعه الأمنية ودوائرالتخطيط الأكثر سرية في بنيان دولته..هذا قد يثيردهشة المراقب من الخارج حقاً، أما في واقع الحال، فإن هذا التبادل الوظيفي الذي يشبه التبادل بين الشرط ومنعكساته سوف يغرينا بالقول اضطراراً أن نُصنِّف ما تُسمى بالمعارضات السورية في أربع دوائر، هي:
دائرة المعارضة الأولى ومبدأ(كسر السياسة بالكلية): تنقسم هذه الدائرة إلى تيارين أساسيين:
أ ـ المعارضة الناقمة على النظام، والتي نشأت تاريخياً في بيئات التسخط والأزمات اليومية المزمنة، واكتسبت خبرتها الخاصة بالحياة عموماً من خلال صراعاتها المريرة ومعاناتها المستديمة، حتى إنه يصح القول بأنها لم تعد ترى خلاصها إلا بالاحتيال على كل ما يحيط بها، أو التفكيرـ بطريقة عدوانية ـ في كل الوسائل التي تكفل لها الإستمرار، أو الفرارخارج الجغرافية السورية والخروج من دائرة النظام في تنفس الحياة بعيداً عنه. إنها الغالبية الكثيرة من الناس، لكنها ترفض التنظيم والتفكيرالمتزن، وهي بهذا المعنى تحتقرُجميع المبادىء، وسرعان ما تجد ذرائعها في التبدل والتنقل حسب مقتضى حاجاتها المباشرة. وهي ترفض السياسة(طالما أن السياسة تتضمن احتمالاً أن تنتزع منها جزءاً أو كُلاً ذلك السخط الأبدي الذي ولدت وتربت عليه، وتمنحها التنظيم والتعريف) وتضمر احتقاراً للحياة الجماعية التي يفرضها المجتمع كلها، بحسبانها مؤامرة خبيثة تعمل في الخفاء ضدها، ولا تثق بشيءٍ في عمقها أكثرمن كراهيتها المركزية الباطنة لعالمها المحيط، فهي تقدس العدم وتسخرمن الأمل أيما سخرية، وذلك لأنهاـ ببساطة شديدة ـ تحتقره ولا تريده. إنها غالبية مُنكرة وحاقدة، تربت في بؤر السخط العام على الواقع وهوامش الاحتجاجات والمعاناة الصامتة، مما يجعل استنكارها المستكبر والسلبي ذاك هو(المركز)الذي لاتحتمل العيش بدونه. (ومن نظائرها وهوامشها وبعض تجلياتها أحياناً تلك المعارضة المذعورة دائماً، والخائفة تاريخياً، أو المسكونة برُهاب السلطة).
إنها معارضة ذات طبيعة نفسانية”سايكولوجية” لاسياسية، تعيش انهيار كل ما يحيط بها ببهجة داخلية مبطنة، وهي لاتعمل إلامن خلال(مبدأ كسرالسياسة) ليظلَ متاحاً لها كنز التسخط والعدوانية والنقمة الذي لاتحتمل العيش بدونه. إنها في الأعم الغالب متنحية عن صنع أي قرار أو الأخذ به، ولا تستجيب أو تنسجم إلا لبيئاتها التي أفرزتها والتي تشبهها. لاهوية سياسية لها، لأنها ترفض السياسة ضمناً وترتاب بها، ولا ترى لها خلاصاً من ذلك الاختناق التاريخي الذي عاشته أجيالاً متعاقبة، إلاعبر تنفيس غضبها بكل الطرائق ـ حتى لو كانت غيرأخلاقية وغيرمشروعة ـ وعبرسكب فائض السخط الذي تعيشه.
ب ـ ينتمي إلى نفس الدائرة السابقة، وتعمل بنفس مبدأ كسرالسياسة الآنف الذكر، تلك المعارضة المنتفعة مادياً واستثمارياً من معارضتها للنظام، فالمنفعة المادية المباشرة هي(مركز)معارضة فئة أوشريحة وجدت نفسها، أو أوجدتها ظروفها الخاصة في موقع المستفيد مادياً من التعارض، فهي متبدلة الموقع، وتبريرية بكافة الطرائق المتكيفة طالما حافظت على ذلك الفوز الشخصي أوالعشائري أو الإصطفافي الذي يضمن لها مباشرة الكسب ومؤكدَ الربح، حتى لو اضطرها اصطفافُها أن تضع نفسها في خدمة قوى استخباراتية ودوائر سيطرة إقليمية وعالمية، طالما أنها توفر لها احتياجاتها المطلوبة والمأمولة. الفئة ب إذن هي ذات الفئة أ، ولكن بصورتها النقيضة بالمعنى الجدلي لطبيعة الأشياء؛ إنها وجه عملتها الآخر.
دائرة المعارضة الثانية ومبدأ(الحلول الصوفي، الغنوصي): وهي تشتمل على المعارضة الإيديولوجية والحزبية؛ إنها تلك المعارضات التاريخانية التي وعت نفسها كمعارضة للنظام والأنظمة السابقة له، وفي سياق التاريخ العام لسوريا المعاصرة، دون أن تكتشف بالضبط الفوارق التي تمايزها عن النظام نفسه في كثير من التفاصيل. بل ولا أن تعرف لها وظيفة أومصلحة أخرى غير أن تشتغل في وظيفة المعارضة.(مركزياً )هي ألفت نفسها حيال نظام متأبد، وهي بهذه الخصيصة تحسده وتتمنى زوال أبديته لتحل حلولاً استنساخياً وغنوصياً كبديل عنه(وكما تحل طبيعة إلهية في طبيعة بشرية وتؤبدها)، لأنها الأولى والأجدر منه كما ترى نفسها؛ إنها ترى(أبدها)أكثر جدارة من(أبد) النظام، وأسمى وأوثق شرعية منه: أبدية الأمة العربية(والتي تمثلها هي كما ترى نفسها) بالنسبة للعروبيين، وأبدية الأمة الإسلامية(والتي تمثلها هي كما ترى نفسها)، بالنسبة للإسلاميين، والأبدية الأممية الإنسانية العادلة والمنحازة إلى الطبقات الفقيرة والمسحوقة(والتي تمثلها هي كما ترى نفسها) بالنسبة لليسار وأحزابه.
قوى الإسلام السياسي السوري، والقوى الحزبية القومية الإصطفاف، واليسارالسوري عموماً، كانت ترى تاريخياً أنها تحتل موضوعياً مركزاً أصيلاً وصلباً في(تعريف الأمة ونقطة بدءها وانطلاقها)من خلال معارضتها النظام الإستبدادي، وبما تحت قشرة الوعي الخاص بها أن الأبد الذي تنشده أكثر أصالة ومشروعية من أبده، فهنالك جوهر أمة ثابت يمثلونه هم بأصالة ،مقابل نظام يمثله عرضاً أو بالصدفة وكأمر واقع،وذلك عن طريق استعمال حزب أحادي التكوين والبنية، يفتقرإلى التسامح والمغفرة مع شعبه طُراً ومع خصومه وكل من يخرج عن إرادته، وذي طبيعة طائفية غيرمرنة، وقد تعرى من شعاراته ومبادئه الحزبية منذ عقود، وبات كالستارة المتماوجة الألوان التي تخفي وراءها، كطبعة ثابتة معتمدة، كل قبائح وعفونة الطائفية والعائلية للأنظمة السلطوية حتى بات أسيرسلوكه المافيوي، وعمل خلال عقود على استئجار ذلك الحزب لأداء تلك الوظيفة لاغير، وتغطيتها به. لقد عاشت المعارضة الحزبية الإيديولوجية “يوتوبيا” السياسة وجنتها الفاضلة، منظوراً إليها عبر أحلام ثابتة وخطابات جميلة مُسطَّرة من خلال أفكار ومبادىء مسبقة الرسم، وظلت تعيش حساسيتها المفرطة تجاه واقعها ومحيطها الذي لا يتواءم مع مزاجها الخاص مثلما ظل واقعها ومحيطها يعيش ارتيابه بها على الدوام، فلا ترى في الآخرالذي يختلف عنها إلا عدواً مفترضاً أوعميلاً لجهة معادية؛ إنها النظام نفسه ولكن بعد تجريده من هيبة الحكم وأسلحة السلطة وميزة القوة التي يمتلك، ولولا تلك القوة والسلطات الواسعة التي امتلكها وفوض نفسه بها، لكان اليوم يصطف معارضاً إلى جانبها، طبيعتها مغلقة وشمولية الطابع كالنظام نفسه، وهي دائمة النظر إلى النظام بوصفه مخلوقاً اختطف منها خلسة شيئاً أوحقاً مقدساً تملكه هي ويفتقر النظام اليه.
لقد كانت منظومات الفكر والسياسة المؤلفة عملياً من التيار القومي، وأبرزممثليه البعث والناصرية والطيف الكثيف المتجمع حولهما، أوالشبيه بهما تأثيراً وتنظيراً وممارسة، ثم التيارالديني، وأبرز ممثليه الأخوان المسلمون والتيارات السلفية المشيخية، ومادون الحزبية على اختلافاتها، وجمعٌ كبيرٌمن رموز فكر إسلاموي بكل ما احتمل من مؤثرين نظريين وكتاب وجمعيات ووسائل إعلام ومنظمات شتى، ثم ثالثة الأثافي تياراليسارالماركسي والشيوعي وامتداداته في التفكير والتنظيم وتسلف النظرة شبه الثابتة والتقليدية للمنطقة والعالم..
هذه المنظومات الفكرية والسياسية الثلاث، في الوسع التعرف عليها بوصفها شيئاً يشبه بعضه في كثيرمن بنيتها الإيديولوجية والتنظيمية ونظرتها المثالية التقليدية للعالم، وفي مسلك ممارستها للتنظيم والتفكير، وهي سواء كانت خارج السلطة والقرارأم كانت داخلها، فإنها لا تشابه ذواتها فحسب، بل الأنكى أنها تشبه السلطات التي عارضتها أكثرعلى مدارعقود..فثوابتها النظرية المقدمة على الخبرة والتجربة والمعرفة، وتصلبها عند مصلحتها الحزبية والفئوية، نظرياً وعملياً، وأحاديات نظرتها المنفصلة والأنانية، واستبطانها للعالم والحياة والمنطقة، جعلها تتقوقع على نفسها وتتكلس في شبه عزلة عن طيف جماهيرالشعب التي كانت تتطوروتثري تجاربها الخاصة والمتنوعة مخلفةً نُخَبَها الخاصة وراءها..
يتبع الجزء الثالث .

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *