معبد الحسون ـ خاص بالرقة بوست
دائرة المعارضة الثالثة ومبدأ (كسر القوة في السلطة): تنقسم هذه الدائرة إلى تيارين أساسيين: التيارالأول الذي يشتمل على المعارضة ذات التصورات الطائفية المنحى، بتقديم نفسها حلاً علمانياً وحداثوياً لمشكلة صداع طائفي أو جهوي مؤرق، أو الأقوامية(الأسطورية) ذات المعارضة الجزئية لطبيعة جزئية من طبائع النظام المتعددة. إنها ترى وتفكر وتعمل على أن كسر جانب القوة المهيمنة من طرف النظام لبعض التفاصيل التي تختلف معه فيها، وتنازله ـ جزءاً أو كلاً ـ عن نقاط الخلاف الخاصة فيما بينه من جهة، وبين مجموعتها الأقوامية أوالطائفية من جهة أخرى، يجعل منه نظاماً (لامشكلة بعدُ معه)، فكل الباقي هي تفاصيل صغيرة يمكن تسويتها، ولا تستحق التعارض مع النظام، أوهي لا تفسد للودّ معه أية قضية من قضايا الوطن، وفضلات بقايا الشعب المعدود خارج مجموعتها، والذي لا يعنيها كثيراً. إنها ترى أن(بعض النظام)المهيمن بالقوة الكلية على كل شيء، يجب أن يتنازل لها أو يتخلى ـ أو فيما لو تنازل لها أو تخلى ـ عن ذلك (الكل المطلبي) الذي تريده وتسعى إليه؛ لو أنه فعل ذلك ـ فرضياً ـ وكسر جزءاً من قوته لصالحها، واحتفظ بجزء القوة الذي يملكه، لما اختلفت معه في شيء يُذكر، مما يبيح لها أن تكون في صف معارضته. والتيار الثاني يتألف من المعارضة المختلفة مع النظام في دورها الوظيفي من داخله فحسب، وهي قائمة في مواقعه ومتساكنة في جزء منه أو معه بداخله، إنها التيارالمتذمر من كون النظام والسلطة التي هي جزء منها، تنتصب سداً وقيداً على أجهزتها ووظائفها وأشيائها الخاصة وذات المسعى الخاص، وغير المتاح لها بالمطلق لعلة احتكارالنظام لكلية القوة المطلقة، وتعذر تبعيض تلك القوة أو التنازل عنها لصالح جزءياتها المطلبية.
ينتمي إلى هذه الدائرة في المبدأ العام كثيرٌ من قوى النظام ذاته، وكثيرٌ من القوى والتيارات الحزبية اللبنانية والشخصيات الاعتبارية في لبنان، والتي تخالطت مع النظام خلال عقود مضت ـ مرغمة أو مختارة له ـ وكثيرٌ أيضاً من أصدقائه أو أعدائه العرب، في شتى المواقع والمراكز والتمثيل. مع التأكيد في هذا السياق على مسألتين أساسيتين لابد من الإقرار بهما: الأولى هي أن كثيراً من الطيف الملتف حول النظام والمؤيد له، لا ينفي أنه يحمل جزءاً من معارضته له ، وهذا مايؤكد على الجانب الذاتي في تعبيرات التعارض مع النظام أكثر من الموضوعي، مثلما يؤكد أيضاً على فقدان التعبيرالوطني عن هوية التعارض مع النظام لدى هذا الطيف ولدى كثير من أطياف المعارضة الأخرى. كما يؤكد ويصحح القول بأن النظام نفسه قد يعارض نفسه حين يرتاب بقدراته ووسائله الذاتية، مثلما يؤكد أن المعارضة، أو شطراً منها، قد توالي النظام موالاة قوامها المصلحة المؤقتة حيناً من الزمن، وحسبما تقتضي حاجة كل طرف إلى الطرف الآخر، أوتَفسَدُ مصالح ما بينهما. والثانية: هي أنه ليس بالوسع المتاح تحديد أو اكتشاف مقدار(الذاتي) و(الموضوعي) في الطبيعة البنيوية للمعارضة من خلال فحص رسوبيات هذه المعارضات وناتجها التاريخي.
دائرة المعارضة الرابعة ومبدأ(التغيير الثوري الشامل): يشتمل الطيف الرابع من المعارضة السورية على قطاع كبير وواسع من المعارضة الليبرالية التي تنحو منحىً راديكالياً جذريَ التوجه، ولم تعد تؤمن إلا بتغيير شامل لكل واقع سوريا القديم، واستعادة سوريا نفسها عبر صياغتها صياغة جديدة من طين الماضي، ودون البناء على أي مثال سابق. ولسنا ننكر بأن دائرة المعارضة الرابعة هذه تعمل على (جبر الواقع السياسي)المدمر بالكامل، غيرأن هذه المعارضة، وإن تكن في طورالتصور والتشكل الأولي، إلا أن ذلك لا يمنعنا من الاعتراف بأنها ما زالت مستقطبة في تيارين أساسيين: الأول هو المعارضة الرومانسية التي تستعذب حلم الغرب البعيد المنال، والتي تظل تعيد إنتاج نفسها في دائرة خيالها السياسي المستقطَب لصالح مفاهيم نظرية، ونصيب قراءتها للواقع السوري جد متواضع وهامشي، فتعيش واقعها فعلياً في لغة الخطاب الديمقراطي الثوري دون خطة أو برنامج عمل، أو بناء نظري يمكن الرسم عليه.
الثورة السورية فرضت واقعاً متجاوزاً للمثقف القديم، المثقف الحكيم المتعالي والمنفصل عن السياسة والشعب، وفرضت أيضاً تجاوزها للسياسي المنفصل عن شعبه، وعن الليبرالية الحديثة بمعناها المعرفي المعاين للواقع الموضوعي والعقل العلمي المعاصر..وتكريس فشل المثقف المنفصل والسياسي المنفصل رتَّب موضوعياً تدويرالخبرات التي تم اكتسابها جماهيرياً وشعبياً بخبرات معايشة الواقع، وإعادة تحديث مفاهيمه التي تمَّ التجريبُ عليها، مما أمعن في تكريس فشل المثقف والسياسي الذي فشل في أن يكون رائداً وقائداً، والفصام الأدواتي بين الثقافة والسياسة من جهة وبين واقع الشعب السوري من جهة أخرى، وبعد أن تموضع كلاهما في موقعه الوظيفي، وارتضى لنفسه مهمة الموظف الحكومي، وتجاوزاً لرجل الدين الذي تحصن خلف معرفته الماضوية وأنانيته وأثرته لنفسه على مصالح شعبه وأمته.