منذ البداية،ومن طبيعة المشهد السوري يجب أن تراودنا شكوك بأن ثمة شيئاً ما(عالمياً)، لاعلاقة له بسوريا، هو ما أنضج ظرف الحرب وأنتجها، وكان سابقاً عليها. وإنني إذ أفترض فرضية لا أطالب القارىء بتبنيها ما لم أتوافرعلى البرهنة العلمية القاطعة على صحتها..إنني منذ البداية أعترف بأن صعوبات تقنية تحول بيني وبين وصف مشهد الحرب ونقدها، لذلك سوف ألجأ إلى تشبيه مُقارِب؛ تشبيه يستذكرُ أولئك الريفيين الفقراء والبسطاء، الذين يقصدون المدينة لبيع منتجاتهم فيها قبل أن يقفلوا عائدين إلى قراهم. وكلنا يعلم كم يعاني أمثال هؤلاء القرويين من التجار المدينيين ومن لؤمهم وخبثهم، وطرق مقايضتهم وشرائهم التي يندر غالباً أن تحدث دون أن يستغلوا أولئك القرويين وأن يبتزوهم أبشع ابتزاز في عمليات البيع والشراء. نحن هنا إذن أمام مشهد تمثيلي يحتاج لكي يكتمل إلى قروي بائع، ومشترٍ من أهل المدينة مبتزٍ ومستغل، وإلى سلعة، أومادة هي موضوع البيع والشراء الأساسي..وغالباً ماتكون تلك السلعة دابة من دواب القرية.
فإذا أسقطنا المشهد التمثيلي بداية على أن روسيا هي الفلاح القروي البسيط، وأن أمريكا هي التاجرالمشتري المديني، وأن موضوعة المبايعة، أوالسلعة، فيما بينهما هي حزمة قضايا وليست قضية واحدة، قضايا عالقة؛ بعضُها أصبح تاريخاً، وبعضها مايزال قروحاً متعفنة تفتك بروسيا المريضة، يمكننا أن نجملها في التعداد، وأن نعترف بأن هذه ربما كانت بعضَها وأهمها وليست كلها..هذه القضايا، أوأهمها هي:
ـ العقوبات الإقتصادية التي فرضها الغرب، الإتحاد الاوربي وأمريكا، على روسيا.
ـ عدم الإعتراف والتسليم لروسيا باحتلال وضم جزيرة القرم، وهو ما تناشد روسيا الغرب والعالم بالتسليم به كواقع قومي نهائي وجغرافي لاتراجع عنه.
ـ عدم اعتراف الغرب بشكل رئيسي بالهيمنة وبسط السيطرة على أوكرانيا، والتلاعب بحكوماتها، واعتبارها فضاءً قومياً ومجالاً استراتيجياً لاانفكاك له عن روسيا، ولامجال للتخلي عنه تحت أي ظرف.
هبوط أسعارالنفط والغاز في السوق العالمية إلى أدنى من كلفة استخراجه وتصنيعه ومصاريف نقله(بهذا المعنى فإن الدول الرئيسية المصدرة للنفط تبيع نفطها اليوم بالمجان، أو بما هوأقل من السعرالمجاني في حرب صامتة لاجيوش فيها ولانيران)، والتي تشكل مصدرالدخل الأساسي في الاقتصاد الروسي، فيما يشبه حرباً معلنة تنخرُإمكانات البلد المتضعضعة اقتصادياً بصمت، وتنهش استقرارها وتهدد بتهاويها وانفجارها الداخلي.
ـ الإصرارعلى نشرالدرع أوالقبة الصاروخية في أوربا من قبل الناتو، وتغييرشيفرات التهديدات الموروثة من زمن الحرب الباردة، وفرض قواعد اشتباك جديدة بين قوتين عالميتين جديدتين، يبدو أن إحداهما بدأت تضمحل وتنسحب من نادي الأقوياء، وإن يكنْ بالتدريج التاريخي المتزامن مع تغييرات كل طبائع ومستلزمات زمن الحرب الباردة.
ـ عدم الإتفاق بين أوربا وروسيا على عقود بيع النفط والغاز، والتي تقترح فيها روسيا أن تكون هي الجهة الوحيدة البائعة، وإصرارها على أن لا يكون هنالك منافسون محتملون في المستقبل؛ خاصة قطر وبعض دول الخليج والدول الغنية بالنفط والغاز. وتهديد خطوط توصيل الغازالقطري المفترضة والمقترحة إلى أوربا من معبرسوري يمثل حقيقة جغرافية لامفر منها إلابكلفة تسويق كبيرة، مما يشكل تهديداً كبيراً لسوق الغازالروسي ولأسعاره، والذي هو أبرز موارد روسيا الإقتصادية ومصادردخلها القومي.
سوف أكتفي بهذه النقاط الست ابتداءاً بوصفها الأهم، وليس بوصفها كل شيء، وسأفترض أن بازاراً للبيع معروضاً بين روسيا والغرب ـ على رأسه الولايات المتحدة ـ على هذه الملفات السياسية العالقة، والمهددة بحق لمستقبل روسيا القريب؛ هذه الملفات هي إذن بضاعة الفلاح القروي القادم من الريف، وروسيا هي الفلاح البسيط والمنهك، وأمريكا هي التاجرالمديني اللئيم والخبيث والإستغلالي إلى أبعد حدود..ومن سوء حظ أولئك الفلاحين القادمين من القرى أن تجار المدن هؤلاء، يفضلون أسلوب المبازرات الطويلة والمضنية الشاقة حتى يتحصل لهم في النهاية أن يأخذوا سلعة القرويين بما يشبه المجان، أو”بتراب المصاري” كما نقول..لعلمهم أن فضاء الوقت مفتوح لهم إلى ما يشاؤون، لكنه ليس كذلك بالنسبة للقرويين المُضطرين للعودة آخرالنهار إلى قراهم..وفي واقع الحالة الروسية المسقط عليها تشبيهنا يجب أن يتطابق المثل ويكتمل إذا ما قدرنا جيداً أزمة الفلاح القروي المحدود بالوقت، والمحكوم بنهاية النهارأو بانفضاض السوق؛ مسحوبة على الحالة الروسية بوصفها حالة شبيهة، فالخزانة الروسية توشك أن تفرغ، والأخبار تتوالى سريعاً بأن الدولة الروسية شرعت تقتطع من موظفيها نصيباً من رواتبهم لعجزها عن الالتزام بسداد ماعليها من استحقاقات تجاههم، ونسبة البطالة في الشعب الروسي قد تكون وصلت إلى47%، ومؤسسة الدولة الروسية كلها توشك على الوقوع في عجزمالي سيكون محرجاً جداً بالنسبة لدولة عظمى سابقاً، وعضو دائم في مجلس الأمن، ورث كل ميزات القوة الإفتراضية والإعتبارية من زمن الإتحاد السوفييتي المندثر، وما زال يتقوت على أمجادها وبقاياها الدارسة..إذا تم التوافق بيني وبين القارىء على التوصيف السابق، فيتوجب علينا أن نستوعب إذن مغزى العصبية الفائقة، وقلة الاتزان وفقدان الحكمة التي ميزت سلوكية الإدارة السياسية الروسية خلال عمرالأزمة السورية منذ بداياتها وحتى تطور مراحلها الأخيرة..
الروس إذن مستعجلون. والأميركان غيرمستعجلين. الروس يريدون ثمناً إنقاذياً عاجلاً يحفظ ما تبقى من هيبة الدولة وماء وجه رموزها الأساسيين، وعلى رأسهم الرئيس بوتين، والأميركان ـ الذين حسب بعضنا أنهم فاشلون ومترددون وضعفاء إلى حدود العجز والبلاهة في الأداء ـ انما يريدون سوريا كلها، ومن بعدها الشرق الأوسط كله، بـ”المجان أوبما يشبه المجان”، كثمن مكافىء للبازار الروسي الواضح الإستعجال إلى حد الرعونة وفقدان الاتزان في الأداء.
يعلم الأميركان جيداً أن التراكبية التي تجمع الحلف الروسي كله إنما هي قائمة على تراكبية الدومينو، وأن السقوط التاريخي المدوي لروسيا الضعيفة سوف ينعكس تباعاً وتلقائياً على حلفها كله، فهم مُلمُّون تماماً بالحال الإيراني الذي لا يقل بؤساً ورثاثة عن الحال الروسي، ولقد جربوا هذا السيناريو من قبل حين دخلوا في مفاوضات مماثلة حول الملف النووي الإيراني، ونجح السيناريو أيما نجاح، بل أكثر مما كانوا يتوقعون ويحلمون..فالإيرانيون الذي اشتغلوا على مئات المواقع النووية وأجهزة الطرد المركزي وطموح بإنتاج قنبلتهم النووية، والوصول إلى نسبة تخصيب يورانيوم تصل إلى80%، خلصت بهم المفاوضات التي استمرت سنوات(والتي تشبه هي الأخرى في مثلنا السابق البازار مع القروي على دابته، وتبرمه وضيق وقته الموقع في حرج البيع الاضطراري، والذي يشبه تنازلاً شبه مجاني عن سلعته)، وانتهت إلى التنازل عن كل شيء: فقد رضوا بإقفال عشرات المواقع النووية ـ بما فيها مفاعل أراك الرئيسي ـ إلاثلاثة مواقع صغيرة..وبشرط أن تظل مراقبة من قبل وكالة الطاقة النووية ليلاً نهاراً، وأن تخضع لتفتيش المراقبين الدوليين وبدون إخطار مسبق، وفي أي وقت يشاؤه أولئك المراقبون. كذلك نزلت نسبة التخصيب المقررة لليورانيوم من80%، وهو ما يتطلبه إنتاج قنبلة نووية، إلى الرضوخ أخيراً والمطالبة الإيرانية لسنوات بإبقائها عند نسبة الـ20% ، ثم انتهت المفاوضات في الإتفاق الأخيرعلى إقرارها بنسبة 3% فقط (وهو عند إسقاط الحالة على مثال القروي الذي تمثلناه، يكاد يشبه أن يتنازل أخيراً عن نعجته بـ”صندويشة فلافل”)، وكل شيء في البيع قسمة ونصيب..أما الثمن الذي قبضه الإيرانيون كنتيجة نهائية للمفاوضات، أي صندويشة الفلافل، فقد كانت الإفراج عن أرصدتهم المجمدة في بنوك الغرب(أي أنهم اشتروا من الإيرانيين ملفهم النووي بعد عشرين عاماً وأغلقوه نهائياً بالأموال الإيرانية، وبحفظ ماء الوجه؛ وحفظ ماء الوجه مسألة ضرورية جداً في مثل هكذا صفقات، خصوصاً إذا كنت تتعاطى الشأن السياسي مع طغاة وفاشيين وأصحاب سلطات أوتوقراطية دينية تستمد مشروعيتها من الله ومن بركات وتأييد المهدي المنتظر، فالامتياز الإخراجي للشكل المسرحي الأخير يجب أن يقنع جمهورعامة الشعب أن حكومته الحكيمة قد انتصرت أخيرا في المفاوضات..هكذا خرجت الجماهير الإيرانية ـ أوأُخرِجت بأوامرالحرس الثوري ـ في مسيرات عارمة تعبر عن فرحتها “بالنصر”، وهكذا بدأت البروباغندا الإعلامية الدولية تهلل للإيرانيين، كونهم خرجوا ظافرين من البازار، على الأقل كما صرح كبير المفاوضين يومها: لقد أجبرت إيرانُ الغربَ على الإعتراف بها كعضوٍ في النادي الدولي النووي .. وللأمانة، فلو باع القروي بقرته أخيراً بـ”صندوق بندورة”..أونعجته “بصندويشة فلافل “، فلكي يقال أمام قريته وعائلته وأمام الله والتاريخ أن البيع قد تمّ، وأن الثمن قد قُبِض.