الثلاثاء. مارس 17th, 2026

محمد حسان

تمكنت قوات النظام والمليشيات المقاتلة معه، الخميس، من استعادة السيطرة على بلدة خناصر في ريف حلب الجنوبي، بعد أقل من 48 ساعة من سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” عليها. وتريد قوات النظام إعادة فتح طريق أثرية-خناصر، والذي يعد خط الإمداد البري الوحيد لها في حلب.

سيطرة قوات النظام على خناصر، جاءت بعدما شنت قوات النظام ومليشيا “حزب الله”، هجوماً معاكساً ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، ليل الأربعاء/الخميس، من محورين: شمال شرقي خناصر من جهة مدينة السفيرة، ومن محور جنوبي أثرية. واستخدمت القوات المهاجمة مختلف أنواع الأسلحة، بمساندة الطيران الحربي الروسي، الذي شن عشرات الغارات على البلدة. وانتهى الهجوم بسيطرة قوات النظام على كامل المدينة، وانسحاب “داعش” منها باتجاه منطقة رسم النفل شمالي خناصر.

وعلى الرغم من خسارة التنظيم لخناصر، إلا أنه ما زال مستمراً في قطع طريق حماة-حلب، من خلال سيطرته على قرى محيطة بخناصر.

ويُعتقد بأن سيطرة تنظيم “الدولة” على محيط خناصر، كانت بداية مرحلة جديدة يخطط لها التنظيم بهدف الوصول إلى محافظة إدلب، الواقعة تحت سيطرة تحالف “جيش الفتح”. ويأتي ذلك بعد عجز التنظيم عن التقدم إلى ريف إدلب من جهة ريف حلب الشمالي.

تنظيم “الدولة الإسلامية” حاول على مدى عامين، التقدم باتجاه الشمال الحلبي، لكنه فشل في تحقيق أي تقدم ملموس، بعد المقاومة العنيفة التي واجهها من فصائل ريف حلب. وعزز صمود الريف الحلبي، وجود فصائل عسكرية من محافظة ديرالزور كانت قد خرجت بعد سيطرة التنظيم على المحافظة منتصف العام 2014. وتملك تلك الفصائل خبرة كبيرة في قتال التنظيم نتيجة تجاربها السابقة في ديرالزور.

عجزُ التنظيم عن فك شيفرة الشمال الحلبي، وخساراته الأخيرة، لمساحات واسعة شمالي الرقة وجنوبي الحسكة، دفع بقواته للبحث عن طريق سهل أو أقل صعوبة من البوابة الحلبية إلى إدلب، ليجد في مدينة خناصر ضالته. فموقع خناصر في البادية السورية وارتباطها البري المفتوح مع مناطق سيطرة التنظيم في الشرق، سيؤمنان له خط إمداد عسكري ولوجستي لتحقيق أهدافه.

أهداف التنظيم كانت واضحة، خاصة في اختياره لـ”لواء داوود” على رأس مليشياته المقتحمة لخناصر. ويتكون “لواء داوود” من أبناء مدينة سرمين في ريف إدلب، وكان قد توجه في 8 تموز/يوليو 2014 من سرمين إلى الرقة، مبايعاً “الدولة الإسلامية”. والمؤكد أن عناصر هذا اللواء، باتوا يريدون العودة إلى ديارهم بعد أعوام من خروجهم منها.

وأكدت مصادر عديدة، أنباء من داخل دوائر التنظيم، إعطاء أوامر لمجموعات من “لواء داوود” مدعومة بعناصر أجنبية، للهجوم على خناصر، بهدف فتح الطريق إلى إدلب، كمرحلة أولى تُحقق حلم عودة مقاتلي سرمين إلى ديارهم، ولإشباع رغبة التنظيم في التمدد إلى أهم معاقل المعارضة في الشمال السوري.

قدرة عناصر “لواء داوود” على القتال، وخبرتهم الجغرافية في المنطقة، ستكون عاملاً مساعداً للتنظيم، في تحقيق أهدافه، كما يوفر لمقاتليه حاضنة شعبية تساعد في الدخول إلى إدلب. وهذا السيناريو يُشابه ما حدث في ديرالزور قبل عامين، بعد طرد التنظيم منها وعودته إليها بمقاتلين من أبنائها مستفيداً من ذويهم كحاضنة شعبية، وكعين راصدة  لتحركات فصائل المعارضة.

وتشهد محافظة إدلب، منذ مدة طويلة، عمليات اغتيال طالت العديد من قادة الفصائل من “جبهة النصرة” و”أحرار الشام” وقياديين من الجيش الحر. وطالما وجهت أصابع الاتهام إلى “الدولة الإسلامية”، الأمر الذي يدل على مدى التغلغل الأمني للتنظيم في تلك المنطقة، وقدرته على الفاعلية في حال اقتضى الأمر.

إدلب التي تسيطر عليها “جبهة النصرة” و”حركة أحرار الشام الإسلامية” و”جند الأقصى”، بالإضافة إلى تواجد “الحزب الإسلامي التركستاني”، تعاني من تغلغل التيار المناصر لـ”الدولة” داخلها، خاصة في صفوف “جبهة النصرة” و”جند الأقصى”. وقبل شهور قامت مجموعة عناصر من “جند الأقصى” بمغادرة إدلب، والتوجه إلى محافظة الرقة، لمبايعة التنظيم، مع كافة أسلحتهم وعتادهم.

كما أن الكثير من عناصر “النصرة” و”الأقصى” يرفضون قتال تنظيم “الدولة”، أو تقبّل  فكرة العداء لهم، بل يرون فيهم أخوة في الجهاد والعقيدة. وهذا الأمر تعترف به “النصرة” التي فصلت في فترات سابقة عدداً من عناصرها في الشمال، ومنهم من أخضعته لدورات شرعية لهذا السبب. وهذا ما يعيه التنظيم ويدرك أهمية العزف على وتره في قادم الأيام، وما تعيه “النصرة” أيضاً، التي ترى في التنظيم خطراً أكبر من قوات النظام. “النصرة” باتت متأكدة من أن التنظيم نسّق مع أحد الفصائل المحسوبة على المعارضة في ريف حلب الجنوبي، بعدما ادعى ذلك الفصيل أن القوات المقتحمة لخناصر هي من “جند الأقصى”.

هجوم التنظيم على قوات النظام، قابله استماتة حقيقية من الأخيرة لاستعادة المنطقة لأهميتها الاستراتيجية. واتباع قوات النظام سياسة الأرض المحروقة يدل على إصرار للاحتفاظ بها، مهما كلف ذلك من خسائر. الأمر الذي قد يضع حداً لأحلام التنظيم في التغلغل إلى إدلب، ولو بشكل مؤقت من محور خناصر، خاصة بسبب الطبيعة الصحراوية المكشوفة التي لا تؤمن الحماية للتنظيم في ظل وجود الطيران الروسي، الذي يُشكل الفارق العسكري الحاسم لصالح قوات النظام.

المدن

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *