الأحد. يناير 18th, 2026

معبد الحسون: خاص(الرقة بوست)
نهاية رجل كان ثورياً ..أو موت “علي السهو”
تناقلت الأخبار البارحة خبراً عن موت علي السهو، أو أبو عبد الرحمن الأمني كما كان يدعى في أوساط داعش، ولعل الشاب مات منذ فترة، لاأدري؛ ولكن لم يتم التأكيد على موته وإبلاغ أهله رسمياً إلامنذ أيام..المهم أن موته قد أثار في نفسي جدولاً وأضمومات من الذكريات التي رافقت بدايات الثورة، وفتحت نافذة على تلك الأيام الجميلة التي أصبحت تاريخاً..ولم أدرِ كيف اختلطت في نفسي المشاعر؛ هل يجوز أن أشمتَ بموته وأفرح، أم أبكيه..أم أرثيه..أم أضحك لموتِ عدوٍ باتت عداوته مؤكدة لنفسه..ولثورته التي كان من أوائل المشاركين في مظاهراتها..ولأصدقائه، ولشبابه الغض قبل كل شيء..؟؟
عرفتُ علي السهو في الأيام الأولى لانفجارالثورة، كان شاباً من المتحمسين والمساهمين الرئيسيين في أولى المظاهرات التي انطلقت في الرقة، حتى بات ضرورة لازمة في ترتيبات تلك المظاهرات، ومن شباب الثورة الأوائل الذين ساعدوا في نشاط تنسيقية ثوارالرقة، وهي واحدة تنسيقيتين، لعلهما كانا الأهم والأبرز نشاطاً في قيادة ونقل الحراك المدني السلمي في الرقة عبرمراحله الأولى..عرفناه في البدايات باسم”أبو الورد”، وظللنا نناديه ونتعرف عليه بهذا الاسم لفترة طويلة، إذ كان متعارفًاً أن يُعَرَّفَ كلُّ شخص يشارك في المظاهرات باسم حركي ،لم نكن نسأل عن الأسماء الحقيقية كثيراً، ولانشجع على الاستفسار والفضول في معرفتها..جاء أبو الورد..ذهب أبوالورد..كنا فخورين ومزهوين به كثيراً، وكان موضع اعتزاز لكل من ساهم أو شارك أو مرَّ يوماً في تفاصيل الحياة اليومية للتنسيقية..كانت له مكانة خاصة، أو بالأحرى ميزتُه الفاصلة عن الآخرين..كان شاباً يبدو كالصغيرلفرط نعومته ويفاعته، وكان ممتلئاً بالحيوية والنشاط..يرتدي الثياب العصرية التي كان يحرص على اختيارها بدقة؛ من بنطلونات الجينز إلى القمصان الملونة الباذخة والمنتقاة بعناية، وتسريحة الشعر الأصهب المائل إلى الشقرة كثيراً، والمصفف بكريما الـ”جِلّ” اللماع ..كتبه الجامعية التي كانت ترافقه دائماً، فقد كان يدرس في كلية الهندسة الزراعية في السنة الثالثة، وكان يمكث في بيت أحد أعضاء التنسيقية المؤسسين أياماً عدة، يشارك في العمل، يخرج إلى المظاهرات، يتناوب الدور مع غيره من الشباب حسب الحاجة..مرة يكون هو “الهتِّيف” كما كنا نسميه، وغالباً ما كان يرافقني في سيارتي الخاصة للتطواف في الشوارع القريبة من المظاهرة، للتدخل لإسعاف مصاب أوتهريب مطارد أو تقديم أي عون طارىء قد يحتاجه المتظاهرون أو تحتاجه المظاهرة فجأة..كنا نتردد في وقت واحد ما بين شارع تل أبيض والوادي ودوار البتاني، حين تكون المظاهرة مقرراً لها أن تنفجر في مكانين معاً في وقت واحد، بغية تشتيت حركة رجال الأمن وتبديد قدرتهم على ملاحقة مظاهرتين في آن واحد، ومن مقعده بجواري وأنا أقود سيارتي، غالباً ما كان جهازه الموبايل لاينقطع عن الرنين، وحديثه الخاص إلى والدته التي ما إن تكون قد سمعت بخبر المظاهرات حتى تتصل ملهوفة خائفة عليه..كنتُ أصغي إلى حديثه معها وهي تسأله:(أين أنت الآن..؟)ـ(عند ربيعي جعد ندرس بالبيت)ـ(كذاب..أنت في المظاهرة) ـ (يا أمي والله عند ربيعي قاعدين بالغرفة..لم نسمع أصلاً إذا كان هناك مظاهرة) ـ (قلت لك إرجع فوراً إلى البيت..الدنيا خربت وصوت رصاص الأمن موصل لبيتنا..يقولون هناك جرحى، ويمكن هناك من مات إرجع) ـ (لن أرجع..) ـ (قلتلك ارجع فوراً) ـ (وأنا أقول لكِ لن أرجع) ـ (نحنا بغرفة صديقي وجعد نشرب شاي مالنا خبر بشي) ـ (بس أخلص دراسة راجع فوراً وتشبعي من شوفتي)..يغلق جهازالتلفون بطريقة مقاطعة وغيرمهادنة، وما إن يوشك أن يدسه في جيبه حتى يرن مرة أخرى..فيفتح الخط :(بي ناس خبروني إنهم شافوك بالمظاهرة..يكفي تكذب علي..علاوي قلتلك ارجع فوراً..)يقول كلمات سريعة مطمئنة لينهي المكالمة:(يالله راجع راجع فوراً، ماني مطوّل)، ويقطع الإتصال مرة أخرى..
بعد أيام انقطع أبوالورد عن الحضور والمشاركة في أنشطة التنسيقية، لم يعد له ذلك الحضوراليومي المألوف، وغاب غياباً تاماً حتى أوشك أن يطويه نسيان الغياب عن التنسيقية..كنا مقتنعين لسببٍ ما أن سبب غيابه هوتفرغه لجامعته ولامتحاناته، وكان لديَّ انطباع خاص بأن جهود والدته في ثنيه عن المشاركة في الأنشطة الثورية ربما أفلحت أخيراً وأجبرته على لزوم البيت..وفي إحدى المرات بعد مرور بضعة شهور، بالمصادفة كنت أوقف سيارتي عند دوارالنعيم لشراء بعض الحاجيات، لمحت مجموعة من الشبان على مبعدة عدة أمتارٍ مني، وفاجأني أحدهم حيث ترك رفقاءه وأقبل نحوي مبتسماً متهللاً فرحاً..سلَّم عليَّ بحرارة، ورحّب ترحيباَ خاصاَ..كان ذلك الشاب هو أبو الورد نفسه..سأل عني وعن أحوالي، وعن شباب التنسيقية فرداً فرداً وأخبارهم، وحمَّلني تحياته وشوقه للجميع ..ظللنا مدة تقارب الربع ساعة ونحن نتبادل ذكريات وأحاديث..ودَّعته مازحاً قبل أن ينصرف:(شلون الوالدة هالأيام..؟دير بالك تزعلها..انشالله رضيانة عليك..) ضحك وقال:(ولا يهمك عمي أبو حسام، رضيانة كثيرلا تاكل هم..لا أكاد أخرج من البيت، وأنا تحت ناظرها دوماً..)، شددتُ عليه الوصية بأن يركزعلى جامعته ودراسته جيداً طالما أنه قد ابتعد نسبياً واعتزل وترك النشاط الثوري، ووعد بأنه سيتفرغ لامتحاناته وجامعته بالدرجة الاولى..
بعد تحرير الرقة سمعتُ من أحدهم عرضاً بأن أبو الورد قد التحق بمقاتلي جبهة النصرة، وكان شبح داعش قد بدأ يحلق حديثاً في سماء مدينتي، وبعد فترة من هذا التاريخ، ولم يكن لظهورها أول الأمرما يستثير قلقنا كثيراً، ولكن بعد مرور بضعة أشهر بدأت تتحول إلى كابوس، خاصة بعد صدامهم ومعركتهم مع لواء أحفاد الرسول، وصارت أسماء شخصياتها وسمعتهم وممارساتهم تظهرعلى سطح مجتمع الرقة، وأصبحنا يوماً بعد يوم نسمع أو نتحدث بما يتصل بأسماعنا من سرديات وقصص عن الأمير الفلاني وعن الشرعي فلان وعن المهاجر أبو فلان..صارت داعش واقعاً يومياً لا مفر منه ولا محيص، وطفقنا نتعايش مع وجودها بالتدرج، وبحذر وقلق، وكشيءٍ يومي عادي في تطور مراحل الثورة اللاحقة..كان اسم(أبوعبد الرحمن الأمني) يبرز بروزاً خاصاً، وتخيلتُ في لحظات أن أبوعبد الرحمن الأمني ربما كان مهاجراً سعودياً أو مقاتلاً أجنبياً، ولأول وهلة؛ لست أدري لم حسبت أن عُمْر هذا “الأمني” ربما يكون فوق الخمسين أو الستين كما تخيلته، ولا أدري لم وقر في تصوراتي أن لحيته يجب أن تكون طويلة، وأن تفاصيل مظهره لابد أن تكون كذا وكذا..رسمت للرجل الذي كان يتردد اسمه في كل المدينة صورة خاصة في مخيالي، وعلى الأخص حين تردد بأنه الشخصية الأمنية الثانية بعد ذلك الشخص الفاشي المدعو أبو حمزة رياضيات، وأنه أصبح الأميرالمسؤول الأول عن معسكر الطلائع، النقطة الأمنية والعسكرية الأبرز لداعش، والأهم في كل المحافظة..

تمر الايام، وذات مرة فاجأني أحد أصدقائنا في التنسيقية مفاجأة غريبة، حين قال: اليوم حضَّرتُ لكم مفاجأة من العيارالثقيل..مفاجأة زلزالية..ولن تصدقوا ما سأقوله..هل لكم أن تتخيلوا من زارني اليوم في البيت؟ الأمير أبوعبد الرحمن الأمني..جفت الدماء في العروق واحتبست الأنفاس..أبوعبد الأمني تبع داعش؟ أي تبع داعش نفسه..من..من أبوعبد الرحمن الأمني هذا؟ قال: احزروا ؟ قلنا لانعرف..قل لنا أنت..قال وهو يبتسم: إنه أبو الورد..أبوالورد؟ هتفنا مصعوقين غير مصدقين..أجل أبوالورد ما غيرو..أبو وردنا..علي السهو وليس أحد غيره..
صدقاً لست أبالغ حين أقول إنني احتجت لبضعة ساعات كي أهضم الخبر وأستوعبه جيداً أو أعتبره حقيقياً ..كان أسهل تصديقاً لي لوأُخْبرتُ بأن كوكب الأرض قد خرج عن مساره واتجاهه من أن أتخيلَ أن أبو الورد هو نفسه أبو عبد الرحمن الأمني، وأن ذلك الثوري الجميل الأنيق، واليافع الغض، هو أحد جلادي داعش الذين بتنا نسمع يومياً أنهم اعتقلوا وعذبوا وخطفوا وقتلوا وفعلوا كذا وعملوا كذا..لم يكن حدثاً عادياً ولاخبراً يمكن تسويغه وتصديقه بسهولة وخفة..لا أدري كيف قفز إلى خيالي بعض قصص العصور الوسطى في أوربا، وكيف أن بعض الرسامين قد انتقوا نموذجاً لأكثر الوجوه الطهرانية البريئة الشابة، ليجعلوا منها موديلاً لرسم المسيح في لوحة، ثم بعد مرور سنوات طوال كيف اضطر نفس الرسامين إلى اختيار نفس الأشخاص، ونفس الوجوه، موديلاً ليهوذا الأسخريوطي أو للشيطان..على أية حال، لاتجوزعلى الميت إلا الرحمة، فقد أفضى إلى ربه وهو من يتوكل نهايته الأخروية، ولكن لن تُبتلَع غصةُ تاريخٍ مجيدٍ نصنعه، ثم نحوله بأيدينا إلى لطخة من العار..
ألا ما أعجب الإنسان وما أغرب تصاريف الزمان، حين يُقلبنا كيف يشاء..

By

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *