تتحدث معظم التحليلات والأخبار التي انتشرت حالياً عن وضع إدلب المستقبلي عن أنها قد تواجه مصير “الموصل”، أو قد يكون مصيرها أسوأ حتى، خصوصاً أنها محاصرة تماماً من جميع الجهات، وليس لها منفذ سوى باتجاه تركيا، ويوجد فيها قرابة 3 ملايين شخص على أقل تقدير، لن يوفر منهم النظام والروس والميليشيات الشيعية أحداً.

جميع من نظر إلى وضع إدلب وتوقع مستقبلها ركز على وضع المدينة مقارنة بالموصل، بدون أي قراءة حقيقية للوضع بشكل كامل فيها، وبدون قراءة كم هائل من المعطيات الكفيلة بتغيير نظرة أي باحث ومحلل حقيقي للوضع في سوريا.

فنظرة أخرى أكثر عمقاً للوضع في الشمال السوري وآثاره، وربطه بالوضع في سوريا والعراق والشرق الاوسط ككل، قد يغير التأكيد السابق أن مصير إدلب سوف يكون أكثر تعاسة من مصير الموصل، وستظهر أمامنا خيارات أخرى، لا يمكن بمكان تجاهلها وسط كم هائل من المعطيات والدلائل على الأرض التي تشير إليها، خصوصاً أن ما يحدث في الشمال السوري هو أمر مهم جداً ومصيري لمستقبل الشرق الأوسط ككل.

العملية التي تحدث في إدلب يمكن تلخيصها ببساطة بعملية تركيز للقوة في قطب واحد، هذا القطب يسيطر على المقدرات العسكرية والمادية والبشرية في منطقة ما، هذه العملية والتي سوف ينشأ عنها ظهور قوة واحدة مسيطرة ستعتبر بشكل ما الحاكم الفعلي والعملي للشمال السوري وبخاصة إدلب ومحيطها ستكون نقطة تحول محورية في المنطقة.

فعملية ظهور هذه القوة الرئيسية “الوحيدة” (من وجهة نظر عسكرية بحتة وبدون أي نظر للمرجعيات الفكرية والأيديولوجية لهذه القوة)، والتي تعني أن معظم المقدرات الموجودة لدى الفصائل التي انصهرت ضمنها سوف تعود إليها، تعني بالضرورة تغيراً كبيراً في الوضع العسكري في الشمال السوري لدرجة دراماتيكية لا يمكن تجاهلها.

فحسب بعض البيانات غير الرسمية يمكن القول أن حجم هيئة تحرير الشام الحالي وهي القوة المسيطرة حالياً على إدلب يصل إلى عشرات آلاف المقاتلين، وعدة مئات من العربات المدرعة والدبابات والمئات من السيارات المسلحة ومئات المدافع المختلفة الأنواع، إضافة لخبرة عسكرية وخبرات تقنية متعددة وعالية المستوى وخبرة في المعارك غير المتكافئة، الأمر الذي يعتبر تحدياً عسكرياً كبيراً لباقي القوى في المنطقة، بداية بالنظام نهاية بالروس والإيرانيين (هذا لو تجاهلنا عدد الأشخاص المسلحين في المدينة والجاهزين للدفاع عن عائلاتهم، والذي لا يمكن تحديده بدقة إضافة لعناصر الفصائل الأخرى).

فظهور هذه القوة في هذا التوقيت، خصوصاً أنها قوة غير مسيطرة عليها دولياً بشكل كامل، يعني أن الخطط العسكرية والاستراتيجية المرسومة للمنطقة سوف تتأثر بشكل كبير، وبخاصة موضوع السيطرة على ديرالزور وإنهاء تنظيم الدولة شرقاً، خصوصاً إذا أطلقت هيئة تحرير الشام أي معركة باتجاه أي منطقة رئيسية للنظام، سواء في حلب أو اللاذقية أو حماة.

الوضع الاستراتيجي الحالي غربي سوريا هو نتيجة عمل مستمر لأكثر من عام من قبل النظام والروس، نجحوا فيه في تبريد الجبهات غربا والتقدم باتجاه الشرق، بحيث يسيطرون على ديرالزور وريفها، ما يعني أنهم حصلوا على أهم الغنائم في سوريا بدعم إيراني وموافقة أمريكية.

فمعركة بضخامة معركة ديرالزور، تتطلب من النظام سحب جميع العناصر الممكنين من غربي سوريا، وتبريد جميع الجبهات، والاحتفاظ بالحد الأدنى من القوات فيها، تمهيدا للسيطرة على ديرالزور، التي يتوقع أنه سوف يخسر عدداً كبيرا من العناصر خلال السيطرة عليها مع ريفها، وقد تصل خسائره إلى 30 أو 40 ألف عنصر بين قتيل وجريح إن لم يكن أكثر (مقارنة بمعركة الموصل)، ما يعتبر رقماً كبيراً، يصعب عليه توفيره بسهولة، ما يبرر سحبه للعديد من الميليشيات من العديد من المناطق باتجاه ديرالزور.

ما يعني أن النظام في أتعس حالاته العسكرية (من ناحية حجم القوات الموجودة) في حلب وحماة وريف اللاذقية، ويفسر تنفيذه للكثير من الهجمات المحدودة في ريف حلب الغربي، لإبقاء الثوار في حالة دفاع ومنعهم من تنفيذ أي عمليات هجومية تكشف تعاسة وضع النظام في حلب، وأنه سحب جميع قواته إلى شرقي حلب، تمهيداً للوصول إلى الرقة ثم دير الزور، حيث عمل تنظيم “الدولة” على استنزاف النظام والميليشيات الموالية له للحد الأقصى، مراهنا على تكبيده أكبر قدر ممكن من الخسائر وإنهاكه قبل الدخول في المعركة الرئيسية، وينطبق الأمر نفسه على وضع قوات النظام في ريف حمص وحماة، التي تعتبر نقطة ساخنة ضد التنظيم، وفيها الكثير من الاشتباكات ضده، والتي لا تحتمل فتح جبهة جديدة شمالاً ضد هجوم قادم من إدلب (باتجاه حماة).

كما أن طريق أثريا خناصر قد يصبح في خطر الآن، خصوصاً أنه يعتبر جوهرياً لحياة النظام في مدينة حلب، وكما أسلفنا في أكثر من مناسبة سابقاً فقطعه يعتبر بمثابة ضربة كبيرة لقوات النظام في حلب، ستكون لها تبعات حقيقية على كامل المشهد العسكري في سوريا.

كما أن تقدم أي قوة عسكرية لمسافة 10 كيلومترات في ريف اللاذقية (وهو أمر ليس مستحيل في الوضع الحالي)، يجعل من القاعدة الجوية في حميميم في مجال الرماية المباشر لصواريخ غراد، ما يعني أن الوضع العسكري للقوة الجوية الروسية في سوريا ليس في مأمن إطلاقا، خصوصًا في حال دخول أعتدة بمديات تتجاوز 40 كم إلى الساحة، فأي عملية قصف للقاعدة الجوية الروسية وتدمير عدد من الطائرات سوف يكون له تأثير صادم على أداء قوات النظام والقوات الروسية في المنطقة ككل.

إذاً النظام والإيرانيون في سوريا قد يواجهون ضغطاً كبيرا في حال عادت المعارك في إدلب إلى الواجهة، وبخاصة أنهم يسعون لتركيز قواتهم شرقي سوريا.

والحشد الشيعي لن يستطيع حاليا زج المزيد من القوات (التي خسر منها الكثير في الموصل) في المشهد السوري، بسبب تحضيره لمعركة تلعفر، التي تعتبر ربما بمثابة معركة الموصل إن لم تكن أكثر شراسة ودموية.

أما بالنسبة للميليشيات الكردية فهي متورطة في الرقة (التي يدافع عنها عدد محدود نسبيا من عناصر التنظيم مقارنة بما يوجد في إدلب من مقاتلين للفصائل المختلفة والمدنيين المسلحين)، وتتكبد المزيد من الخسائر يومياً، ما يعني أنها غير مؤهلة فعلياً لعمل أي شيء في إدلب خلال الفترة القادمة، على الرغم من طموحها الكبير لذلك.

عملياً مقارنة بالموصل التي تشير معظم الإحصائيات إلى أن معظم من دافعوا عن الموصل لا يتجاوزون في أكبر حصيلة غير رسمية 5000 عنصراً للتنظيم، تسببوا بإجبار الجيش العراقي وإيران والحشد الشيعي على دفع أكثر من 150 إلى 200 ألف عنصر إلى المعركة، قتل وجرح منهم ما لا يقل عن 40 ألف عنصر، ودمرت لهم أعداد غير محددة بدقة من العربات والدبابات، يمكن القول أن عدد عناصر الهيئة والفصائل التي تنتشر في إدلب يتجاوز هذا الرقم بما لا يقل عن عشرة أضعاف، ما يعني أن المعركة في هذه المنطقة “لن تكون نزهة”، فأي عملية حساب على أسس عسكرية لحجم القوة المطلوبة للهجوم على إدلب ومحيطها يؤكد أنها تستدعي عدداً ضخما من العناصر وحجماً كبيراً للدعم الجوي، وستكون أصعب بكثير من معركة الموصل، بخاصة أن عدد المدافعين كبير، ومستوى تسليحهم وتدريبهم عالٍ، إضافة لاستعداد الكثير من المدنيين للقتال دفاعاً عن أرواحهم وعائلاتهم (خصوصاً بعد ما شاهدوه في الموصل والرقة وباقي المناطق التي دخلتها الميليشيات الايرانية)، الأمر الذي يجعل عملية تحديد حجم القوة المدافعة في إدلب صعباً جدا، ما يعقد أي عملية عسكرية للسيطرة عليها، خصوصاً أن إدلب محاطة بالعشرات من البلدات والقرى والمدن التي يوازي بعضها حجم إدلب، التي تجعل من القتال فيها مجموعة من العمليات الصعبة والمرهقة، وهي خليط غير متجانس من العمليات في البيئات الريفية والحضرية، والتي تمنع أي إمكانية لأي عمليات عسكرية مرنة أو عمليات مناورة واسعة، وتجعلها عبارة عن عمليات عسكرية محددة سلفا يغلب عليها الاستنزاف وهي عمليات بدون مفاجئات وواضحة الأبعاد، ما يحسن فرص المدافعين في العمل على صد زخم أي هجوم، وبخاصة أنهم يعرفون الأرض بشكل جيد، ما يجعل إدلب ومحيطها الممتد من غرب حلب إلى اللاذقية وشمالي حماة بمثابة فخ كبير لأي قوة مهاجمة مهما بلغت ضخامتها ودعمها.

وما يعقد الوضع حاليا أن القوى الثلاثة الأساسية المؤهلة للهجوم على إدلب غير مستعدة وغير جاهزة لأي عملية عليها خلال العام القادم على أقل تقدير، فالنظام مشغول شرقاً والحشد الشيعي مشغول في تلعفر وباقي المناطق العراقية وربما يصدم مع الأكراد شمالي العراق، أما الميليشيات الكردية فهي غارقة في الرقة، وتعمل ليلاً نهاراً على تجنيد الشباب قسرياً لتغطية خسائرها الفادحة في المدينة.

ما يجعل من عملية مباشرة أو سريعة على إدلب أمراً بالغ التعقيد والصعوبة، وغير متناسب مع السياق العام للأحداث الحالية، لكن يوجد عدة احتمالات أخرى مثل العمليات الأمنية والضربات الجوية، تمهيداً لعملية على إدلب يستغرق التحضير لها الكثير من الوقت (استغرقت الميليشيات الكردية لحصار الرقة أكثر من عام بدعم هائل من التحالف).

هذا لو تجاهلنا الكلفة المدنية للعملية، والتي ستتفاوت إذا كان الدعم الجوي أمريكياً أو روسيا (الأغلب أنه روسي بسبب أن إدلب ضمن النطاق الأساسي للنشاط الروس)، ما يعني كلفة بشرية هائلة بين المدنيين، قد تكون بحد ذاتها مسببة لاشتعال الأوضاع أكثر في الشرق الأوسط وتأجيج الصراع طائفيا وعقائدياً بشكل أكبر، ما يؤكد أن معركة إدلب هي نقطة تغير مصيرية ومهمة في تاريخ الحرب السورية، وقد تؤدي لتغيير حقيقي في شكل وتوزع النفوذ في المنطقة.

إدلب ليست الموصل.. فاحتمال صد أي هجوم عليها واردة وبنسبة جيدة، والانتقال من الدفاع للهجوم هو الخيار الثاني الأكثر واقعية، فيكفي أن نعرف أن حماة وحلب وطريق خناصر واللاذقية وعفرين، دخلت في نطاق الاحتمالية لأن تكون مواقع معركة هجومية تشن انطلاقاً من إدلب، في حال قررت القوة المسيطرة عليها إثبات وجودها، وبخاصة إذا قررت السيطرة علي المناطق التي سيطر عليها النظام خلال هجومه الأخير على ريف حماة الشمالي، والتي ستكون ضربة مهمة ضد النظام، وكفيلة بإرباكه وداعميه لفترة معتبرة، وقد تكون مقدمة لاستعادة مناطق مختلفة من سيطرة النظام، وتغيير خريطة توزع القوى في سوريا بطريقة دراماتيكية.

أيمن محمد – شبكة بلدي الإعلامية