تاريخ الجنون لدى ميشيل فوكو

الرقة بوست – خاص

معبد الحسون

يتطرق فوكو إلى تأريخ الجنون في الآداب العالمية، وكأنه يحلل ظاهرة جنون أي عصر من خلال ما تدخره آدابه.. جنون الهوى الميؤوس منه هو الذي قاد “هيثكليف”، بطل رواية إيميلي برونتي:”مرتفعات وذرنج”، لأن يكسر زجاج النافذة، ويصرخ من داخل أعماقه وهو يشتم “كاثرين”، ثم في نهاية هذا الجنون والصراخ يتمنى أن يلحق بها, وأن يُدفن إلى جانبها, لأنه، أولاً وأخيراً، يعشق”كاثرين” عشقاً مجنوناً.. وجنون السيدة “ماكبث” في مسرحية شكسبير يكشف لـ(أولئك الذين يجب ألا يصرخوا)، عن كلمات لم تَهمس إلا في آذان صماء، وهو الجنون المناظر والموازي لجنون ايفولين، خطيبة هاملت، وما يجمعهما في منظور وسياق واحد ليس بأن كلتا المجنونتين قد انتهى جنونها بالموت، بل إن المشترك ربما في كون رجليهما، ماكبث وهاملت، هما علة ذلك الجنون وسبب الموت النهائي لكليهما..

لقد امتازالعصر الكلاسيكي بالقسوة على الإنسان الضعيف والمغلوب، والذي ـ لسوء حظه ـ ساقه القدر للمرض النفسي والعقلي، ليركنه الآخر في زاوية المنبوذين مع المجرمين والمنحرفين. كما ارتبط الجنون في هذا العصر بالأخلاق بصورة غير مسبوقة، أي أن تكون مجنوناً يعني أن تكون (معاقاً أخلاقياً).. هكذا عرّف العصر الكلاسيكي الجنون. ومثلما شهد ذلك العصر الكثير من التقلبات إزاء التعامل مع اللاعقل، فإنه عجز عن تصنيف الجنون بشكل دقيق، بالرغم من بعض الاجتهادات في علاج الجنون، كما أنه فشل في علاج الجنون بصورة طبية مهنية وإنسانية، على الرغم من ازدهار العلوم والطب في القرنين الثامن والتاسع عشر.
بعض أنواع العلاجات المتبعة في القضاء على المرض العقلي هو بتزويج الرجل المرأة المجنونة والظن بأنه دواء لجنونها. وهناك أنواعُ علاجاتٍ أخرى أكثر جنوناً، كاستبدال دم المريض بدم أحد الحيوانات.. والمضحك المبكي أن المريض كان يتجاوب في حالات مع العلاج، وذلك بتغير حالته من الصخب والهيجان إلى الصمت والهدوء.
كما أن المبكي أيضاً في هذا العصر هو أن الملاجئ، أو دور العجزة والمصحات استخدمت بشكل قمعي، خصوصاً تجاه المرأة، فالعناد والرفض يضعك في خانة الجنون. ويتضح من سلطة هذا العصر الدور الذكوري الذي مورس في تعنيف وقمع المرأة، وسلب الحريات العامة وحق الإنسانية على الآخر في المعاملة بالمثل.
لم يخلُ هذا العصر من سلطة القضاء والكنيسة التي لعبت دوراً في تهميش الجنون كحالة إنسانية وأخلاقية. ومع ظهور مدارس علم النفس، كمدرسة التحليل النفسي التي أسسها”فرويد”، بدأ الجنون يأخذ نوعاً ما الاعترافَ بوجوده كحالة طبيعية متسقة مع طبيعة الحياة، بل كجزء من الوجود الإنساني الذي يعترف باللاعقل كنظير للعقل. وهي الحسنة الوحيدة في هذا العصر الخرافي.
مايعيب هذا العصر كذلك رغم انتشار وظهور الفكر الإنساني، هو أن طريقة التعامل مع المريض العقلي واللاعقل عموماً، ظلت قاصرة على الإحسان والعمل الخيري، ولم تتجاوز ذلك في وضع حد لمأساة المريض العقلي الذي عانى التعذيب في السجون والملاجئ ودور الحجز، حتى انطمست هويته الإنسانية. بل التدخل كان دائماً شكلياً ببناء المصحات والمستشفيات، كبديل للسجون والملاجئ، وتوفير للرعاية الطبية الشكلية.

يستشهد فوكو في أمثلته التي تصف القرنين السادس عشر والسابع عشر برواية “سفينة الحمقى”، باعتبارها نموذجاً شارحاً وجامعاً، وسفينة الحمقى هي محض شخصيات مجردة من كل الميزات الأخلاقية: كالجشع والمهووس الشديد الحساسية، والملحد والمتعجرف، وقد وضِعوا بالقوة ضمن الركاب الحمقى في رحلة إبحار بلا ميناء.. وقد انتشرت في جميع أوروبا دور لحجز مرضى الجذام بشكل واسع في القرن الخامس عشر، ثم تحولت إلى دور رعاية لإيواء الفقراء والمشردين والعاطلين والعجزة، والمرضى بشكل خاص بالأمراض التناسلية التي بدأت تنتشر انتشاراً كبيراً في ذلك القرن وما تلاه.
اختفى الجذام تماماً في القرن السادس عشر، إلا من بعض الحالات، وتحولت دور الحجز إلى مستشفيات وأماكن احتجاز تُطبَّق فيها إجراءات تعسفية ذات طابع بوليسي، أما نزلاؤها فكان خليطاً عجيباً من المنحرفين والمصابين بأمراض تناسلية، والمبذرين، والمتهمين بقذف المقدسات الدينية، والخميائيين.. مجموعة من الكائنات وجدت نفسها في النصف الثاني من القرن السابع عشر في الطرف الآخر، معزولة وملقى بها في المستشفيات التي ستصبح بعد قرن او قرنين حقولاً مغلقة للجنون.
لقد أصبح الجنون رديفاً للخطيئة، وكانت وظيفة هذه الدور هو الإصلاح الأخلاقي، وتخليص الأفراد وتطهيرهم ضمن مناهج دينية غاية في التعسف ومثيرة للاشمئزاز، مما خلق نظاماً أخلاقياً صارماً من خلال عملية التجميع في دور الحجز بكل الفئات التي تدخل ضمن السلوك المدنس، وبذلك تم تشكيل عالم جديد من خلال الحجز، وإجراءاته الغريبة فلكي يكون ممكناً إدانة هؤلاء المسجونين والتعامل معهم كغرباء عن وطنهم، كان يجب أن يصبحوا فاقدين للعقل من خلال تجربة تؤدي إلى استلاب العقل، ليصبح للجنون تصوراً واضحاً ويكون الحجز منفى أبدياً..

اللافت في الأمر أخيراً، أن الأدب العربي يكاد يكون من أفقر الآداب العالمية في مقاربة فكرة الجنون، وأنضبها مقارنة بتلك التي أشهرت الجنون وتسلطت عليه.. وأعتقد بأن السبب يرجع إلى كون الثقافة الغربية توالفت وتسايرت مع المبدأ الذي عزم على أن بذرة الجنون قد تحدرت في الأصل من (خطيئة تحتاج إلى مغفرة)، بينما الأدب العربي تطور تاريخياً، منذ مجنون ليلى وما تلاه تقريباً، ونما على ذهنية تجمع الجنون بالـ(قدر البائس)، وتعده فرعاً من (إرادة الله بالحظ السيء)..

ديستويفسكي والجنون:

لاتجد في رواية تشيخوف”يوميات مجنون”، ولا في مجنونه ذاك ما يستطيع أن يرتقي إلى عشرات مجانين ديستويفسكي الذين يضجون وتعج بهم معظم رواياته، والذين يفترض بأنهم هم خير من يمثل هذا العالم.. ربما كان أدب ديستويفسكي ليس أفضل من مثل الجنون في الأدب الروسي والغربي بصورة عامة وتبنى قضيته ودخل عالمه الخفي، وحاوره حتى أعمق نقاط خفاياه المجهولة والمظلمة في عقل الإنسان، بل لعله يصلح شاهداً على الأدب الإنساني بأسره خلال تاريخه الطويل، وممثلاً له.. إن أدب ديستويفسكي ليس سفير الجنون وحكيمه الذي يرسله ليحاور العقل، بل إنه في كثير من الأمثلة، ينحاز إليه على صورة وصفة خلاصية.. وفي الحق فإن أدب ديستويفسكي لا تكفيه مقالة أو بحثاً، ولا كتاباً لمبحث مسارات الجنون المتنوعة والمختلفة، غير أنني سوف أشير إلى التفاصل بين: جنون “راسكولنيكوف” الفلسفي في (الجريمة والعقاب)، وجنون الأمير “ميشكين”، بطل رواية الأبله، النبوئي والخلاصي.. لا ننسى في هذا المرور العاجل بأن ديستويفسكي أفرد رواية كاملة مستقلة عن الشخصية الفصامية، ونبَّه إلى (الشيزوفرينيا) في روايته (المثل)، أو (القرين)، وهي من بواكير أعماله، ويأتي ترتيبها الرواية الثانية بعد روايته الأولى(الفقراء)، في محاولاته الشابة أن يقتحم عالم الكتابة قبل أن يبلغ الرابعة والعشرين من عمره، ولقد كتب عن الفُصَام قبل أن يسمع العالم كله به أو بمدرسة من مدارس التحليل النفسي المعروفة اليوم، وربما قبل ولادة فرويد نفسه.

بين رسالة الأمير “ميشكين”، الذي يحاول أن يستعيد المسيح وأن يبعثه بعثاً جديداً: (الإيمان بالله من حيث هو إحدى خلفيات الجنون و أحد مصادر يأسه)، تجد الثنائية المقابلة والمعاكسة في الإتجاه؛ جنون “إيفان كارامازوف” ذي المقولة الشهيرة: (إذا لم يكن الله موجوداً فكلُّ شيءٍ مباح)، وحيث الإلحاد أيضاً هو أكبر خزانات الجنون الضاخة وأهم مصادره التي تغذي العبث بنسغها.. أما أبطال رواية الشياطين(ومعظم شخصياتها من المجانين تقريباً)، فليسو مضرب مثل عن المجنون السياسي، وإنما الأصح عن السياسة بكونها إحدى تجليات الجنون الكبرى.

إن مفتاح العقد المتراكبة كلها تنجمع في أدب ديستويفسكي في رواية هامشية صغيرة، تكاد أن تكون مجهولة، ولا يحفل بها أحد أو يُنتبَه إليها كثيراً، بيد أنها تقول كل مالم يقله المجانين السابقين واللاحقين عليها.. إنها قصته التي تحمل عنوان:(حلم رجل مضحك). غير أن هذه الرواية بالذات تحتاج إلى دراسة متأنية ومقالة مستقلة، ربما أكتبها في المستقبل.

كاتب سوري

اترك رد

Translate »