أصداء سيرة غير ذاتية: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عن العالمين.؟}ــ سورة الحِجْر 70 ـ((2))

الرقة بوست ـ معبد الحسون

لم أفكر يوماً في أقوال أبي هذه كثيراً، ولم آخذها على محمل الجد إلا بعد اعتقالي بفترة.. في السجن، فترة اعتقالي، كنت أحياناً أسترجع كلماته وأستعيدها حرفاً بحرف، مع أنني لم أؤمن بها يوماً، لكنني كنت أتذكرها لمجرد أنها كانت لائحة إدانة لي.. بت أخشاه رغم أنه عاش ومات وهو أرأف الناس بي، وأحنُّهم وأحدبهم عليَّ.. لم يوبخني أو يغلظ علي في الكلام طيلة حياته، وكان يعتبر ما أؤمن به شأناً شخصياً من حقي، وجزءاً من حريتي، لكنه كان في أعماق نفسه يتمنى أن يكسبني إلى صفه.. أن يكسب أي إنسان آخر في طول هذا الوطن وعرضه ليؤمنَ بما يؤمن به هو وحده دون العالمين، بيد أنه للأسف، لم يكسب تلميذاً واحداً يصادق على هذه النبوءات المفزعة كالكوابيس، ولانصيراً واحداً مؤيداً لما كان يقول.

بعد مرور أكثر من سنتين على اعتقالي، استطاع أبي أن يستحصل لي على إذن خاص وشخصي بزيارتي، (في تلك المرحلة التي أعقبت أحداث مدينة حماة وتدميرها، كان الوضع العام متوتراً إلى درجة لا تتيح لوزير أو لضابط كبير أن يطلب إذناً بزيارة سجين سياسي، وقد يكلفه هذا الطلب اعتقالَه هو بالذات).. مع ذلك فوجئت يومذاك بنقلي من سجن تدمر إلى فرع التحقيق العسكري بغرض زيارة شخصية في الفرع حصل عليها والدي، وكنت أشد ما أخشاه وأتخوفه يومذاك أن تبدأ الزيارة وتنتهي باللوم والتقريع و”البهدلة” من طرف أبي بسبب اشتغالي في السياسة وغرقي فيها إلى حد الإدمان.. ولكن، وياللعجب، لم يحدث أي شيء مما كنت أتخوف منه.. لم يوبخني ولم يلمني.. بدا وكأنه يتعامل مع قضية اعتقالي بوصفها حادثة طبيعية لا تستحق منه حتى تعليقاً بسيطاً.. لم يركز النظر فيَّ، ولم يفحص ماكان يدور في قلب عيني من أفكار إلا لثوانٍ معدودة.. ربما نصف دقيقة استغرقناها في الصمت.. لخصنا في ذلك الصمت كل أقواله الكثيرة والطويلة خلال سنوات مضت، وأحسست من خلال صمته وكأنه يشمت بي قليلاً، أو ينتصر عليَّ أخيراً للحظة، ويصادق على نبوءاته التي لم أؤمن بها رغم اعتقالي ونهايتي المشهودة في سجن تدمر.. كأنما كان يذكرني بمبادئه العتيدة الدائمة.. كأنما كان يحاول أن يقول لي:

ـ أوَلَمْ نَنْهَكَ عن العالمين..؟ ألم أقل لك لا فائدة ولا جدوى..؟ لماذا أنت عنيد؟ لماذا أنت الآن هنا، وقد انتهيتَ إلى هذا المصير.. تضحي كل هذه التضحيات وتنتهي إلى هذه النهاية..؟ أمِنْ أجل العدم مثلاً.. أم من أجل   (العالَمين) الذين آمنت بهم..؟

بعد إحدى عشرة سنة ونصف خرجت من المعتقل، ولقد تفاجأت أن أبي قد كفَّ كثيراً عن ترداد ما كان يردده وما يؤمن به، وتوقف بمرور الزمن، (خُيّلَ إلي لبرهة أن أبي قد جحد ذلك اليقين القديم، أو نسيه بتقادم العمر وتغير الظروف كثيراً).. كنت أظن أنه شكك بمبادئه القديمة أو ألْحَدَ بها، ولم يعد يقيم لها وزناً بعد اليوم، ولكن، وياللعجب والدهشة أكثر.. لقد كان أبي قد ازدادَ يقيناً بها أضعاف المرات، لكنه يئس من تردادها ومن إيمان الناس بها، ومن برمهم وسخطهم كلما سمعوه يرددها.. ولقد كان من أول رغباتي وأفكاري بعد الخروج من المعتقل أن اقترحت عليه أن نشتري للعائلة شقة صغيرة، أو “شاليه” على البحر، في اللاذقية أو طرطوس.. فصعقني حين سمعته يعيد أقواله السابقة، وكنت أظن أنه نسيها وفات عليها الزمن، حيث قال:

ــ ولماذا تريدون شقة صغيرة أو”شاليه” في الساحل.. حيث سيأتي عليكم يومٌ ما قريب، لا تستطيعون فيه حتى مجرد السفر إلى ذلك الساحل..؟ يابني قريباً لن يكون هنالك بلاد.. ولن يكون هنالك ساحل كما تتوهمون.. تنازلنا، أنا والعائلة قليلاً.. وصرفنا النظر عن قصة “شاليه” الساحل، وحوّلنا الإقتراح إلى شقة في حلب.. حلب يا أبي.. حلب القريبة منا.. حلب التي نعدُّ الرقة حياً من أحيائها تقريباً.. لكن أبي رفض أيضاً، وأصر بعناد: حتى حلب سوف تُدَمَّرُ يابني، مثلها مثل الرقة.. مثل سائر المدن السورية.. حتى حلب لن تستطيعوا الوصول إليها.. وبعد ضغوط عليه ووساطات من الأقرباء والأصدقاء، ومساومات وتسويات شاقة، وافق راضخاً وعلى مضض.. رغم أنه لم يتراجع ولم يتنازل عن مبادئه قيد أنملة، لكن العائلة استطاعت اقناعه بشراء الشقة في حلب بالحجة التالية: مادام كل شيء في هذه البلاد سيضيع ويدمر كما تقول، فلنشترِ بيتاً في حلب، ولنعتبره مدمراً سلفاً، وضائعاً من بين الضائعين..(مع ملاحظة أن البيت الذي اشتريته في حلب بعد وفاة والدي في حي الشعار قد دُمِّرَ هو ومحيطه بعد ذلك، والمتجر الذي اشتريته في حي صلاح الدين هو الآخر قد دُمر نهائياً مع محيطه من حي صلاح الدين).

في عام 1995 توفي والدي، وفي آذار من عام 2011، بعد ستة عشر عاماً مضت على وفاته اشتعلت الثورة السورية في طول البلاد وعرضها.. بعد وفاته مباشرة بنيت له قبراً مميزاً، أحطته بسور، وجعلت له فناءً واسعاً كأفنية الدور العربية.. جعلت له باباً من الحديد بقفل ومفتاح، وأحطت سوره بسياج حديدي، وزرعت ماحوله بأشجار السرو التي أعرف أن أبي كان يحبها أكثر من أي نوع آخر من الأشجار، وبعض الدفلى والأزهار التي تحتمل العطش في تلك المقبرة المهملة حتى اليوم في(تل البيعة).. ولقد قَلَّتْ زياراتي لقبره بمرور السنوات، حتى باتت لاتتعدى المناسبات المتباعدة..

بعد اندلاع الثورة السورية، لا أدري لم خالطني شعور وكأن هذه الثورة ما اندلعت إلا”جكارة” بأبي، وتفنيداً لأقواله، وشطباً لنبوءاته وتسفيهاً لها.. انتابتني أفكار بأنه بات واجباً على أبي أن يعتذر مني اليوم.. منا جميعاً.. أخيراً انتصرت الجماهير على عجزها، وقامت الثورة.. كما قام المسيح من ضريحه بعد ثلاثة..

أثناء تشييع جنازة (علي البابنسي)، أول شهداء الثورة في الرقة، خطر ببالي أن أذهب إلى قبر أبي، وأنْ” أنَكِّدَ عليه رقدته الهادئة في ضريحه” قليلاً، بيني وبين نفسي، وفي سري الخاص.. وهو ثاوٍ في قبره.. ذهبت إلى القبر، فإذ بي أتفاجأ بالباب الحديدي الذي يُحَصِّنُ فناء القبر، وقد خُلِع من مكانه ليباعَ في سوق الحديد الخردة.. وإذ بالسياج الحديدي العالي والطويل الذي يسور القبر وقد خُلع ونُهب هو الآخر، والأشجار والأزهار حول قبر أبي كلها ذبلت وصارت هشيماً يابساً، وقد أذهبتها الريح بمضي السنين.. شواهدُ القبر تحطمت ونهبت.. ولم يبقَ إلا آثار متبقية من القبر(ولقد أكملت داعش بعد سنوات مهمة تسويتها بالأرض وإزالة كلّ أثر لأبي من على ظهرها).. مع ذلك لم أفقد حماسي، ولا خبا وميض الثورة واشتعالها في دمائي، خاصة أن المناسبة كانت جِدَّ خصوصية، حين رأيت بأم عيني قريباً من أربعمائة ألف مشيع يسيرون في جنازة الجنازات الكبرى، وأم المظاهرات النادرة في سوريا كلها: تشييع شهيد الثورة في الرقة:(علي البابنسي)..

وقفتُ على قبر أبي قليلاً، كأنني كنتُ أهمس له سراً وأحادثه بصمت:

ـ أرأيت..؟ ألم ترَ هذه الجماهير التي احتقرتَها طوال حياتك؟ كم كنتُ ألوم سوء فهمك وسوء ظنك بشعبنا الذي آمنتُ أنا به، وكفرتَ أنت به يا أبي.. هل تتذكر أقوالك لي عن” فلاحي القرى” الذين طالما نعتتهم بالخوارج وشبهتهم بالقرامطة؟ وأقوالك عن أهل البلد وعشائره الذين كانوا يتباهون أمامك بأنسابهم وقبائلهم الممتدة في الجاهلية والإسلام، وما أكثر ما كنتَ تقول لهم: أنتم لستم قرشيين، ولا من قيس، ولا من طيء، ولا من زبيد، ولا من ربيعة.. أنتم لستم عرباً حتى.. أنتم مجرد فصيل من النَوَر والقرباط العابرين، ليس لكم جذور ولا أصول، أنتم عشب طحلبي ونجيل جانبي نبت على هامش الحياة والتاريخ.. أنظرْ يا أبي حولك إلى تلك المسيرة الجبارة، وتفحص جيداً كيف اتحدَ الإسلاميون(المشايخ أهل اللحى)كما كنت تسميهم، مع الماركسيين اليساريين، مع القوميين، مع الأكراد، مع البسطاء الطيبين من أبناء شعبنا.. بل حتى مع كثير من البعثيين والأسديين من أهل النظام الذين انشقوا عنه وانضموا إلينا، ورحبنا بانضمامهم هذا.. في لحمة واحدة ونسيج واحد.. وقرروا أن يكونوا معنا عائلة واحدة في الثورة.. نساءً ورجالاً، شيباً وشباناً، مدنيين وريفيين.. وبالمناسبة يا أبي.. هل تتذكر أقوالك لي:”قريباً سيقوم خوارج وقرامطة جدد، وزطٌّ وشيعة وسنة، وطغاة وبغاة، ومؤمنون وملحدون، بنهب هذا المتحف وبيع آثاره كما تباع الخردة في سوق الجمعة..؟” ألا فاعلم أن متحفك وآثارك التي خلفتها وراءك، والتي عشت طيلة حياتك مرتعداً من الخشية عليها وعلى حفظها وصونها.. إعلمْ أننا، نحن الثوار اليوم، من سيحرسها ويحميها، ونحن من سيحافظ عليها.. يا أبي لماذا لا تريد أن تصدق أننا اليوم نعيش في ثورة.. ثورة يشارك فيها معظم من كنت تزدريهم وتحتقرهم، ويواجهون الرصاص الحي لمواجهة الدكتاتورية وإسقاطها، ويمضون بإصرار نحو بناء سوريا المستقبل.. سوريا الحرة.. سوريا الشعب الثائر الذي كنت تؤمن بنفسك فقط، ولا تؤمن به..؟

ولستُ أدري لم شعرتُ بأن عينيْ أبي قد جعلتا تشتعلان بوميضٍ غاضب، وتُحدقان بي بشعاع ثاقب من خلف أطباق تراب لحده، وتتأملان فيَّ بنظرات مُزْوَرَّة مبهمة.. كأنهما ما زالتا توبخاني بالعبارة القديمة الصامتة دوماً ـ كما كانتا في الماضي ـ :

ـ يالك من ساذَجٍ غُرٍّ.. أوَلَمْ نَنْهكَ عن العالمين..؟

 

 

اترك رد

Translate »