عن الرقاويين .. ومسافة التلاقي والاجتماع في المصير الموحد

رئيس التحرير

مكاشفة لابد منها..

نسيرُ في عماءٍ غير متعين الحدود، ونحن سادرون في هامش الترقب والانتظار. لا سلطانَ لإرادتنا على مصائرنا.. وقد نصبْنا شِرَاكاً ومصائدَ لأنفسنا في قلب هذا الظلام، وأخطر تلك المصائد ليس تحولُنا في الفترات السابقة إلى ظاهرة صوتية سالبة ـ كالصدى ـ فحسب، إنما المصادقة على وهمِ أننا نعرف عن مستقبلنا الذي ينتظرنا أكثر مما يجب ومما ندعي أننا نعلم، مع عدم الاكتراث أو القلق من خطر الفكرة الملحة بأنّ وجودَنا الهش في هذه الحياة، والمُهَدِدَ بغرقنا وتلاشينا النهائي، هو ظاهرة جِدُّ طبيعية سوف نتقبلُها بمرور الوقت، ووفق قانون طبيعي يؤكد بأن الإدمان على تلك الهامشية في حياتنا إنما هو منطق ما يُحيطُ بنا وما نحن عليه، وأننا نمضي نحو النهاية في عكس اتجاه الأشياء الطبيعية دون أدنى احتجاج،(سوى كتابات “الفيسبوك” التي تشبه غَرغَرات مُدْنَفٍ يُحْتَضر ويستعدُ لتقبل فكرة موته وتلاشيه النهائي)، وطالما أنه لم يعد في المتسع والمنظور أيُّ”صميمٍ” نُصيبُه، فلنستمتع بفسحة العجز ومتعة التهافت وعذوبة الإحباط إلى ما شاءت المتعة والعجز، وبتعاقب الأيام ومرور الوقت بات يَلَذُ لنا، واسْتَحْسَنَّا واقع أننا ضحايا، وشيئاً فشيئاً بدأنا نتمسك بهذا المصير كـ”لُقْية” ثمينة يجب المحافظة عليها.

بين التصديقية والتشكيكية يضعنا السيل العَرِم لـ”الفيسبوك” و”الواتس” و”الأخبار” التي نكتفي بأن نسمع بها، والبيانات التي تُتلى على أسماعنا كالتعاويذ، كل ذلك يضعنا موضع الالتزام دون الكفاية من الإيمان بما نلتزم به.. وكل طَفَحِ هذه “الميديا” العابرة والمتسللة إلى عقولنا، بينا نحن مجردُ منتظرين يترقبون لا أكثر، إنما هي “شهاداتُ عجزٍ”، جاهزة ومُعَلّبة ومقدمة لنا كقطع الحلوى.. “شهاداتُ عجزٍ” يشرح لنا  فحواها المضمر المسكوت عنه مايلي:{إننا نعلم عن واقعك أكثر مما تعلم، ونتفهم المآلات التي انتهيتَ إليها أكثر مما تتفهم.. فاقفل على روحك وعقلك وحريتك واتبعنا إلى حيث نعلم ولا تعلم، وبناءً عليه” ينبغي عليك أن ..”، و”يجب عليك أن تعلم كذا؛ وأن تفعل كذا..” و”ما عليك إلا أن تَسدَّ كلَّ منافذ إرادتك وحريتك وأن تتبعنا لكي تسترشد الطريق بناء على وصايانا؛ فنحن الجهة الوحيدة التي تحترم (جُبْنَكَ وشَلَلَ إرادتك)، وتقر بـ(عجزِك الطبيعي)، وتُقَدر(ظروفَك القاهرة) التي تجعلُك مُتنحياً لا تفعلُ شيئاً مفيداً.. وكل ما يتوجب عليكم فعله؛ أنتم أيها الأصفار المتجادلة والمتقاتلة والمتهارشة والمتناحرة والمتحاسدة والمتجمعة والمتزاحمة إلى جانب بعضها، ليس مطلوباً منكم أن تفعلوا شيئاً مفيداً طالما أنكم في وضعية الأصفار، وطالما أنكم لم تترقوا بعدُ لكي تتساووا بالرقم واحد، سواءً في تجمعكم أو في تفرقكم، وإذا كان هذا العالمُ يحكمُهُ مجانين فلا تأملوا كثيراً في مستقبل قضيتكم حتى وإن كانت عاقلة وعادلة..}.. هذه هي رسالة “الميديا” اليومية التي أدْمَنَّا متابعاتها اليومية.. وهي رسالة مضمرة تريد أن تشرح لنا بأن مدافعة المآسي بالمهازل خطرٌ لاغنى عنه، ولا مسارَ آخر لتجنبه، وإن رُعاشَ مريض “الباركنسون” دليلٌ على أنه مايزال حياً بعد.

ومع إقراري سلفاً بأن كل هذا الوصف إنما هو واقع طبيعي لقوم أنهكتهم الحرب، وخرّبت روحهم أيما تخريب، غير أن المدهش وغير الطبيعي أن نجعل من أنفسنا، وكل محتوى قوانا وقدراتنا مطية سهلة للتطورات الطبيعية التي تتدحرج يومياً على الأرض.. حتى ليخيل للمرء بأننا بتنا نعرف كل شيء عن أنفسنا وعن الآخرين من حولنا، دون أن نسأل أنفسنا السؤال الأهم: وماذا نفعل بهذه المعرفة بعدُ وكيف نتصرف بها؟ يجب أن تكون نقطة البداية منطلقاً للحكم على أنفسنا بمقتضى الشك في أحكامنا السابقة عن رأينا بأنفسنا، وعلينا إذن كرقاويين أن نخرجَ من حالتنا كأشخاص إحصائيين(محصلة جداول وبيانات إحصائية)، وأن نثبتَ أننا أشخاصٌ وأفرادٌ أحرار من خلال الاستجابة لطبيعتنا الحرة والحقيقية، وذلك برأيي هو السبيل الوحيد لاستخراج ذلك”البطل” القابع في دواخلنا وذواتنا كما يقبع سجينٌ في زنزانته المُكْفَهِرّة المظلمة، والثاوي في أعماقنا وهو يأمل وينتظر الخروج.. وما من سبيلٍ آخر أجده مخرجاً أو سبباً للخروج مما نحن فيه غير أن نشرع في ترسيخ مجمل المعاني المُقطرة الصافية التي تم امتصاصُها وارتشاحُها عبر سنوات الثورة الماضية، وتغيير اتجاهاتنا صوبها بصورة جذرية ونهائية قبل أن تقوم الحربُ على تغيير دخائلنا وتخريب ما تبقى منا والإجهاز علينا ببطء، وأن تُخَلفنا هائمين في خيالٍ مخادعٍ غشاش بأن الثورة هي “العالم الأكبر”، وأن كلَّ فردٍ منا هو”عالمُها الأصغر”، والتي باتت اليوم خيالاً طفولياً ملهباً للمشاعر الفقيرة، يتوجب أن نتنازل عنها دون حنينٍ كثيرٍ وأسفٍ ملتاعٍ؛ فإن من يريد الاقتران بـ”سندريلا” ليس عليه أن يُتْعِبَ نفسه في التفتيش عن فردة حذائها الضائعة أولاً، بل يجب قبل كل شيء؛ أن يفتشَ لكي يعثرَ على شخص “سندريلا” نفسها.

اترك رد

Translate »