بناء الأسطورة (( الجزء الأول))

معبد الحسون – الرقة بوست

لدينا مجموعة نصوص مبثوثة في عدد من مراجع التراث الاسلامي، وهي تكاد تكون متقاربة ومتشابهة في سياقها، وان اختلفت روايتها قليلا بين مرجع ومرجع آخر، والرواية تتكرر في (أخبار مُضاض بن عمرو وجرهم) في كتاب “التيجان” لوهب بن منبه، وأخبار ابن عبيد، و”مروج الذهب” للمسعودي، وأعلام الزركلي، وفي الأغاني للأصفهاني، ومنه ننقلها من فصل (ذكر أخبار مُضاض بن عمرو)، حيث يبدأ بها بقوله: (هو مُضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي. وكان جده مضاض قد زوّج ابنته رَعلة اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن، فولدت له اثني عشر رجلاً أكبرهم قَيدار ونابت. وكان أبوه ابراهيم عليه السلام أمره بذلك لأنه لما بنى مكة وأنزلها ابنه قدم عليه قَدْمةً من قَدَماته، فسمع كلام العرب، وقد كانت طائفة من جرهم نزلت هنالك مع اسماعيل، فأعجبته لغتهم واستحسنها، فأمر اسماعيل عليه السلام أن يتزوج إليهم، فتزوج بنت مُضاض بن عمرو، وكان سيدهم.)، إذن كان سبب زواج اسماعيل بن ابراهيم الخليل هو اعجاب ابيه ابراهيم بكلام العرب واستحسانه له.. (فأخبرنا محمد بن جرير، قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق. واخبرني محمد بن جعفر النحوي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأزرقي قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن محمد بن اسحاق . ورواية اسحاق بن أحمد أتم. وقد جمعتها: إن نابت بن اسماعيل ولي البيت بعد ابيه(اسماعيل)ثم توفي، فولي مكانه جده لأمه مُضاض بن عمرو الجرهمي، فضم ولد نابت بن اسماعيل إليه، ونزلت جرهم مع ملكهم مُضاض بن عمرو بأعلى مكة، ونزلت قطوراء(قبيلة يمنية أخرى منافسة لجرهم) مع ملكهم السَميدع”أجياد”أسفل مكة)..
إذن لم يجد نابت ممن تبقى من أخوته الأحد عشر الآخرين من يمكن أن يلي أمور بيت الله الذي عمره والده اسماعيل وجده ابراهيم الخليل، فتوكل بأمر البيت عربي من جرهم هو جده لأمه: مُضاض بن عمرو.. هكذا وبضربة حظ موفقة آلت سدانة البيت و”ملكيته” إلى العرب بمنتهى اليسر، وذلك من محاسن الصدف..(وكان هذان البطنان خرجا سيارة من اليمن، وكذلك كانوا لا يخرجون إلا مع ملك يملكونه عليهم. فلما رأوا مكة رأوا بلداً طيباً، وماءً وشجراً).. لكن واقع مكة الجغرافي الحقيقي لا يتفق مع أولئك الرواة من أن مكة كانت يوماً(بلداً طيباً وماءً وشجراً)، تغري العابرين بها على التنافس والاقتتال، فالقرآن يدعوها بلفظ صريح:{ وادٍ غيرِ زرعٍ}، وكل الشواهد تؤكد أنها كتلة بركانية سوداء كانت متعذرة حتى على إنبات الشوك في الصحراء الجرداء، وحسب شهادات د. جواد علي من مجموع عدد من أوصاف الإخباريين يروي لنا:(ويذكر أن قصياً بعد أن تمكن من مكة، حفر بها بئراً سماها”العجول”، وهي أول بئر حفرتها قريش) ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ـ ج4 ـ ثم يضيف(وازدادت حاجة أهل مكة بعد قصي، وقد تزايد عددهم، إلى الماء، ولم تعد”العجول” تكفي لتموينهم به) المفصل ـ ج4 ـ..(ولشح الماء في مكة واضطرار الناس إلى جلبه من أماكن بعيدة، فعل هاشم مافعله قصي حين حفر بئراً على نحو ما ذكرت) ـ المفصل ج4ـ فإذا كانت مكة لا تكفي من سكنها لسد حاجاتهم إلى ماء الشرب، فما الذي يبعث على الشحناء والتنافس والاقتتال بين القوم حتى يستأثر كل قبيل وكل جماعة عابرة بهذا الموقع القاحل المتصحر؟(فنزلا ورضي كل واحد منهما بصاحبه ولم ينازعه. فكان مُضاض يَعْشِر من جاء مكة من أعلاها،”أي يجمع ضريبة العشر”، وكان السَّميدع يعشر من جاءها من أسفلها ومن كداء، لا يدخل أحدهما على صاحبه في أمره. ثم إن جرهماً وقطوراء بغى كل واحد منهما على صاحبه، فتنافسوا في الملك حتى نشبت الحرب بينهما، وكانت ولاية البيت إلى مُضاض دون السَّميدع. فخرج مُضاض من بطن “قعيقعان” مع كتيبته في سلاح شاكٍ يتقعقع. فيقال ماسميت”قعيقعان” إلا بذلك، وخرج السّميدع من شعب “أجياد”، في الخيل الجياد والرجال. ويقال ماسميت “أجياداً”إلابذلك، حتى التقوا “بفاضح”، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقُتل السميدع وفُضحت قطوراء، ويقال: ماسُمي فاضحاً إلا بذلك، ثم تداعى القوم إلى الصلح فساروا حتى نزلوا “المطابخ” شِعباً بأعلى مكة، وهو الذي يقال له الآن شعب ابن عامر، فاصطلحوا هناك، وسلموا الأمر إلى مُضاض؛ فلما اجتمع له أمر مكة، وصار ملكها دون السميدع نحر للناس فطبخوا هناك الجُزُر فأكلوا، وسمي ذلك الموضع “المطابخ”. فيقال إن هذه أول بغي بمكة. فقال مضاض بن عمرو في تلك الحرب:
ونحن قتلنا سيد الحي عنوة * فأصبح منها وهو حيران موجع ” .. إلى آخر القصيدة
ثم استخفت جرهم بحق البيت، وارتكبوا فيه أموراً عظاماً، وأحدثوا فيه أحداثاً قبيحة، وكان للبيت خزانة، وهي بئر عظيمة، يُلقى فيها الحلي والمتاع الذي يهدى له، وهو يومئذ لا سقف عليه، فتواعد عليه خمسة من جرهم أن يسرقوا كل مافيه؛ فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم واقتحم الخامس، فجعل الله عز وجل أعلاه أسفله، وسقط منكساً فهلك، وفرّ الأربعة الآخرون.. قالوا: ودخل(أساف ونائلة) البيت ففجرا فيه، فمسخهما الله حجرين، فأخرجا من البيت. وقيل إنه لم يفجر بها في البيت، ولكنه قبلها في البيت.
وذكر عثمان بن ساج عن أبي الزناد، إنه إساف بن سهيل، وإنها نائلة بنت عمرو بن ذئب.. فلما غلبت خزاعة على مكة ونُسي حديثهما، حولهما عمرو بن لحي بن كلاب بعد ذلك؛ فجعلهما تجاه الكعبة يذبح عندهما عند موضع زمزم.. قالوا: فلما كثر بغي جرهم بمكة قام فيهم مُضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض،(ومضاض هذا هو حفيد مُضاض الأول الذي ولي شؤون الكعبة من أبناء ابنته التي زوجها لاسماعيل بن ابراهيم الخليل، فولدت له نابت وقيدار)، فقال: ياقوم احذروا البغي، فانه لابقاء لأهله، وقد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفوا بالحرم ولم يعظموه وتنازعوا بينهم واختلفوا، حتى سلطكم الله عليهم فاجتحتموهم فتفرقوا في البلاد، فلا تستخفوا بحق الحرم وحرمة بيت الله، ولا تظلموا من دخله وجاءه معظما لحرماته، أو خائفاً، أو رغب في جواره، فإنكم إن فعلتم ذلكم تخوفت أن تخرجوا منه خروج ذل وصغار، حتى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم، ولا إلى زيارة البيت الذي هو حرز وأمن، والطير تأمن فيه(..) وقد كانت العماليق قد بغت في الحرم، فسلط الله عز وجل عليهم الذر(الذر: النمل.. سبحان الله، النمل هو من أخرج أولئك القوم الجبارين المدعوين بالعماليق من جوار الكعبة)، فأخرجهم منه، ثم رموا بالجدب، وبعث الغيث أمامهم فجعلوا يطلبونه فلا يجدونه ويكون أمامهم أبداً فيطلبونه ويساقون من خلفهم حتى ردهم الله إلى مساقط رؤوسهم، ثم أرسل الله عليهم الطوفان.. قال: فلما رأى مُضاض بن عمرو بغيهم ومقامهم عليه، عمد إلى كنوز الكعبة، وهي غزالان من ذهب، وأسياف قلعية، فحفر لها ليلاً في موضع زمزم ودفنها. فبينا هم على ذلك إذ سارت القبائل من أهل مأرب، ومعهم طريفة الكاهنة، حين خافوا سيل العرم،) وغالباً مايستعان لضرورات الحدث بكاهنة تسير مع القوم وتتنبأ لهم بالأحداث قبل أن تُحَدِّث(وعليهم مزيقياء، وهو عمرو بن عامر بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. فقالت لهم طريفة الكاهنة لما قاربوا مكة:”وحقٌ ما أقول، وما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم، رب جميع الأمم من عرب وعجم” قالوا لها: ما شأنك ياطريفة؟ قالت:”خذوا البعير الشدقم، فخضبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرم”. فلما انتهوا إلى مكة وأهلها أرسل إليهم عمرو ابنه ثعلبة، فقال لهم: ياقوم، إنا قد خرجنا من بلادنا فلم ننزل بلدة إلا أفسح أهلها لنا، وتزحزوا عنا، فنقيم معهم حتى نرسل رواداً فيرتاحوا لنا بلداً يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح، ونرسل روادنا إلى الشام وإلى الشرق، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيراً. فأبت ذلك جرهم إباء شديداً، واستكبروا في أنفسهم، وقالوا: لا والله، ما نحب أن تنزلوا معنا فتضيقوا علينا مرابعنا ومواردنا، فارحلوا عنا حيث أحببتم، فلا حاجة لنا بجواركم. فأرسل إليهم إنه لابد من المقام بهذا البلد حولاً، حتى يرجع الي رسلي التي أرسلت، فإن أنزلتموني طوعاً نزلت وحمدتكم وآسيتكم في الرعي والماء، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترتعوا معي إلا فضلاً، ولم تشربوا إلا رنقاً، وإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء وقتلت الرجال، ولم أترك منكم أحداً ينزل الحرم أبداً، فأبت جرهم أن تنزله طوعاً وتَعَبَّت لقتاله، فاقتتلوا ثلاثة أيام أفرغ عليهم فيها الصبر ومنعوا النصر، ثم انهزمت جرهم فلم يفلت منهم إلا الشريد. وكان مُضاض بن عمرو قد اعتزل حربهم ولم يُعِنهم في ذلك، وقال: قد كنت أحذركم هذا. ثم رحل هو وولده وأهل بيته حتى نزلوا”قَنَوْنى” وما حوله، فبقايا جرهم به إلى اليوم، وفني الباقون؛ أفناهم السيف في تلك الحروب.
معبد الحسون 5/3/2017
ــ يتبع ــ
من كتابي قيد التأليف: ” البحث عن دين مجهول”

اترك رد

Translate »