إنزال أميركي في الطبقة: تغيير قواعد الاشتباك

خليل عساف

حققت قوات أميركية-كردية مشتركة، الأربعاء، اختراقاً عسكرياً مباغتاً في ريف مدينة الطبقة من محافظة الرقة، عندما قامت قوة من مشاة البحرية الأميركية بإنزال بواسطة الطائرات المروحية، في أربعة مواقع؛ أبو هريرة والمشيرفة والكرين والمحمية الطبيعية قرب قرية الكرين، غربي مدينة الطبقة. وبعد عملية الإنزال قامت “قوات سوريا الديموقراطية” بنقل آليات وأسلحة من قلعة جعبر، على الضفة الشمالية الشرقية لبحيرة سد الطبقة “الأسد”، إلى مواقع الإنزال على الضفة الغربية الجنوبية مستخدمة زوارق سريعة. وأشار نشطاء محليون إلى أن هذه القوات سيطرت على مواقع وأقامت حواجز في نقطة واحدة على الأقل على طريق حلب-الرقة.
جاء هذا التقدم بعد أيام من القصف المتواصل من طيران “التحالف الدولي” لمواقع لتنظيم “الدولة الإسلامية” داخل مدينة الطبقة وعلى أطرافها؛ قصف لم يستثنِ المدنيين هذه المرة، فاستهدف أبنية سكنية وفرناً في المدينة، ما تسبب في مقتل عشرين مدنياً. وكانت غارة جوية لطيران “التحالف” قد استهدفت ليل الإثنين /الثلاثاء، مدرسة تأوي نازحين في بلدة المنصورة القريبة، أسقطت أكثر من 180 قتيلاً، جلهم من الأطفال والنساء، فيما جُرح أكثر من 100 آخرين.القوات الأميركية و”وحدات حماية الشعب” الكردية، نجحتا للمرة الثانية في تطبيق خطة خداع إستراتيجي ضد تنظيم “داعش” في سوريا. ففي أيار/مايو 2016، أوهمت هذه القوات أن عملية “عزل الرقة” ستجري في الريف الشمالي للمحافظة، ودفعت العشرات من عناصر “قسد” لموجة هجوم أولي وهمي، فيما انطلقت القوات الرئيسة نحو اقتحام مدينة منبج في ريف حلب الشرقي. وهذه المرة أيضاً، ضغطت “قسد” مدعومة بالطيران والمدفعية الأميركية على الريف الشرقي لمحافظة الرقة، وبعض أطراف المدينة الشمالية، لأكثر من ثلاثة أسابيع، في حين تركت جبهة الريف الغربي في الطبقة ومحيطها راكدة، إلى أن جاء هجوم الأربعاء المباغت.ويمكن إحصاء أربع نتائج عسكرية وجيوسياسية مباشرة لهذا الهجوم، الذي يُحتمل أن يتبعه تمركز أميركي في المنطقة قد يكون في مطار الطبقة العسكري. فمع الاستيلاء على ريف الطبقة الغربي، يكون الأميركيون و”قسد”، قد فصلوا مناطق سيطرة تنظيم “داعش” في ريف حلب الشرقي، وخاصة في مسكنة ودير حافر، عن بقية مناطق سيطرته في الرقة وديرالزور؛ فلا يبقى للتنظيم إلا الاتجاه جنوباً نحو البادية “الشامية” خاصة مع تقهقره أمام تقدم قوات النظام في تلك المناطق. والنتيجة الثانية أن القوات الأميركية “وقسد”، وطأتا للمرة الأولى أرض الشامية ووسعتا حضورهما غربي الفرات. كما أصبح الطريق الدولي الرقة-حلب-ديرالزور بحكم المقطوع فعلياً، حتى لو لم تنتشر القوات المهاجمة على طرفيه، إذ غدا تحت السيطرة النيرانية للقوات البرية للتحالف و”قسد”. لكن تبقى الحصيلة الجيوسياسية الأهم لهذا الإنجاز هي وضع حاجز أمام طموحات النظام في التقدم نحو الرقة، عبر ريف حلب الشرقي. وهذه مسألة غاية في الحساسية بالنسبة للنظام، ورغبته في أن يفرض نفسه طرفاً في الحرب على الإرهاب بحكم الأمر الواقع.خلاصة ما جرى في الطبقة وريفها خلال اليومين السابقين لا يمكن اختزاله في الإنجاز العسكري المتحقق وحده، بل الأرجح أن أصداءه السياسية ستتردد طويلاً، خاصة أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تتأخر في إظهار عزمها على طي ملف “داعش” نهائياً مهما كانت التكلفة. الأمر الذي ترجمته القوات الأميركية في تغيير قواعد الاشتباك، والتحلل من التزامات الإدارة السابقة، بعدم استهداف المدنيين. فقد مضى شهر وثلاثة أسابيع فقط منذ أن وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمراً تنفيذياً للجيش الأميركي بوضع خطة عسكرية في غضون 30 يوماً لهزيمة “داعش”. ولم يمضِ على انتهاء المهلة سوى ثلاثة أسابيع حتى تُرجم التغيير في قواعد الاشتباك إلى جحيم بالنسبة لأهل الرقة وأريافها. فأكثر من 200 قتيل خلال أقل من يومين، هو إنذار أكثر من كافٍ لتخمين الثمن الباهظ المُتوقع دفعه من أرواح المدنيين في مناطق سيطرة التنظيم، كي يتحرروا من نيره، لتدخل رقابهم في نير جديد.
عن صحيفة المدن

اترك رد

Translate »