معركة الرقة: هل قصف “صقور الرقة” هو استبعاد للنظام؟

خليل عساف

جرت خلال الأيام القليلة الماضية أحداث متعددة تشير إلى إمكانية حدوث تغيرات هامة في سياسة “التحالف الدولي” في ما يخص معركة الرقة وتركيب القوى المقاتلة على الأرض. مؤشرات يمكن استخلاصها من جملة حوادث تبدو متفرقة، إلا أنها تسير في الاتجاه ذاته، وتُشكِّل أرضية لفهم التغيرات في المشهد حول الرقة.بعد نجاح “قوات سوريا الديموقراطية” في تطويق مدينة الطبقة شرقي الرقة، من جهاتها الأربع، وبالتزامن مع إعلانها، الجمعة، بدء “المرحلة الرابعة لتطهير ما تبقى من الريف الشمالي ووادي الجلاب من إرهابيي داعش وإزالة آخر العقبات أمامنا للتمهيد لعملية تحرير مدينة الرقة وإتمام الطوق والحِصار وتطويق الخِناق على الارهابيين”، قصفت طائرات أميركية مقراً لـ”لواء صقور الرقة” بالقرب من قرية جعبر، ما أودى بحياة 17 مقاتلاً منه. وفي الوقت ذاته كانت “وحدات حماية الشعب” الكردية تطوّق مقاتلي “قوات النخبة” التابعة لأحمد عاصي الجربا و”قوات صناديد شمر” التابعة لحميدي دهام الجربا، عم أحمد، وهما من وجهاء عشيرة شمر المنتشرة في محافظة الحسكة السورية، ويقاتل فصيلاهما ضمن “قوات سوريا الديموقراطية”. كما تجري حالياً مفاوضات بين “وحدات حماية الشعب” والجيش السوري الحر، برغبة تركية وإملاء أميركي، بغية تسليم 11 قرية عربية في محيط تل رفعت في ريف حلب الغربي إلى الجيش الحر.القصف الذي طال “لواء صقور الرقة”، واعترفت وزارة الدفاع الأميركية و”وحدات حماية الشعب” بوقوعه، يبدو خطأً مدروساً، فهو يُخرج الفصيل المحلي الوحيد المشارك بالقتال تحت راية “قسد”، كما ينهي الحضور الرمزي للنظام السوري الذي مثّله هذا الفصيل في معركة الرقة. وتشكّل “لواء صقور الرقة” من بعثيين وموالين للنظام إثر سيطرة “قسد” على تل أبيض في حزيران/يونيو 2015، بتمويل وتجهيز من النظام و”وحدات حماية الشعب” لسحب البساط من تحت الجيش الحر مُمثلاً بـ”لواء ثوار الرقة”.والحال مشابه في ما يتعلق بـ”قوات صناديد شمر” و”قوات النخبة”. ففيما تبقى “قوات صناديد شمر” على ولائها للنظام، فإنها تلعب ضمن هامش مناورة واسع تُساير فيه السياسات الأميركية والكردية في محافظة الحسكة، بينما تحول الفريق السياسي لأحمد الجربا، الرئيس السابق لـ”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، إلى خط سياسي جديد خلال العامين الماضيين، يتماشى مع أولوية “محاربة الإرهاب” على إسقاط النظام، تحت مظلة أميركية-مصرية-إماراتية، فكوَّن جناحاً عسكرياً له؛ “قوات النخبة” من بقايا الجيش الحر في المنطقة ودخل تحت مظلة “قسد”، ويعمل الآن في قرى ريف ديرالزور الغربي.المستهدف بـ”الخطأ” في قصف “صقور الرقة”، ومحاصرة “صناديد شمر” و”النخبة”، وإخراجهم من المعركة ربما، هو النظام السوري، وإلى حدّ ما، المكوِّن العربي ضمن “قسد”، بحضوره الرمزي والشكلي أصلاً. وهذا ما يشكل تعقيداً إضافياً في وضع معقد إساساً، فإخراج هذه الفصائل سيوجه لطمة جديدة إلى النظام السوري، لكن النجاح في ذلك سيزيد من حدة الاستقطاب القومي في المنطقة ويجعل من مهمة “التحالف” وأدواته على الأرض أشد صعوبة وخطراً.”وحدات حماية الشعب” يمكنها بسهولة تعويض النقص البشري جراء غياب “الصقور” و”النخبة” و”الصناديد” من خلال تشكيلاتها التي يُحتمل أن تنسحب من تل رفعت ومنغ ومحيطهما، ما سيضمن تماسكاً عسكرياً وسياسياً وأمنياً أكبر في محيط الرقة، ويرشح “الوحدات” لدور ونصيب أكبر في مسار العملية السياسية مستقبلاً. لكن هذه القراءة تسير بدورها عكس روح المراجعة الأميركية لسياستها في “محاربة الإرهاب” في سوريا، وتحديداً في ما يخص تلزيم قوات كردية محاربة “الدولة الإسلامية” بالضد من الرأي العام العربي في سوريا، والحساسية التركية تجاه نمو صورة ما من صور القوة العسكرية الكردية على حدودها الجنوبية. الاعتماد الأميركي على الأكراد، وإن اثبت نجاحاً تكتيكياً خلال السنوات الثلاث الماضية من عمر حملاتها على تنظيم “الدولة”، إلّا أنه خاسر استراتيجياً، خاصة مع الحاجة إلى دخول عملية سلام شامل توافقية، سواء قصد منها توافقات داخلية أم إقليمية.والأرجح أن ترتيبات “ما حول الرقة” حالياً تتصل بترتيبات “ما بعد الرقة” لاحقاً، وهذه لم تأخذ شكلها النهائي بعد على ما يبدو، ليس لأن الإعلان عن معركة دخول المدينة في مطلع نيسان/إبريل بدا “كذبة”، أو سوء تقدير في أحسن الأحوال، ولا لأن نتائج إخراج مكونات عربية مرتبطة بدرجة أو بأخرى بنظام الأسد من المعركة لم تظهر بعد، بل لأن عوامل جديدة ربما ستظهر خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، قد يكون أبرزها إشراك فصائل عربية من الجيش الحر كحل وسط بين المخاوف والشكوك المتبادلة، بين الأكراد و”التحالف” من ورائهم من جهة، وبين عرب المنطقة وحلفائهم من جهة ثانية، بعد استثناء النظام ولو رمزياً من المساهمة.
المدن

اترك رد

Translate »