خطط البنتاغون في سورية ولوحة المصالح الأمريكية

يعد مجيء الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم فرصة لخروج البنتاغون من حالة التقييد التي عرفها خلال الولاية الثانية للرئيس الأسبق باراك أوباما، فقد شهدت العلاقة بين البنتاغون والرئيس أوباما حالات من الافتراق حول أهداف العمل الأمريكي في العراق وسورية، حيث اتبع أوباما استراتيجية واضحة تجاه البلدين، تتمثل بعدم الانخراط العسكري المباشر، وهو ما التزمت به إدارته، مع استياء من بعض جنرالات البنتاغون، ت م التعبير عنه في مناسبات عديدة .

وعلى الرغم من اتهام الولايات المتحدة، وإدارة الرئيس ترامب، بغياب الرؤية وعدم وجود استراتيجية واضحة في سوريا والعراق من قبل بعض المحللين أو حتى الخصوم، وخصوصا روسيا، معتمدين في اتهاماتهم على تخبط تصريحات الإدارة تجاه الملف السوري، الذي لم يكن أولوية لدى الإدارة الأمريكية، إلا أن استهداف مطار “الشعيرات” على خلفية الهجمة الكيماوية بغاز السارين في بلدة خان شيخون، وتصريحات ترامب بوجوب الإطاحة بالأسد، دفع بالمراقبين والمحليين إلى تغيير نظرتهم تجاه الإدارة الجديدة، خصوصا أن الإشارات القادمة من واشنطن تشير إلى وجود نوع من الارتياح لدى البنتاغون لتوجهات الرئيس الجديد.

وقد ط رحت في النقاشات بين الإدارة الجديدة والبنتاغون العديد من الأسئلة تجاه الملف السوري، ومنها كيفية زيادة الانخراط الأمريكي العسكري في سورية، من دون أن يترت ب على ذلك الانخراط التزامات طويلة المدى.

إن الإجابة على السؤال السابق تكمن في طبيعة الخطط التي سيقدمها البنتاغون للبيت الأبيض، ليتم اعتمادها من قبل الرئيس ترامب، أو ليقوم بطلب تعديلات عليها، نظراً لتعقيدات المصالح الإقليمية والدولية في سورية، ونظراً لتوجهات الإدارة الأمريكية في توجيه رسائل طمأنة للحلفاء التقليديين في الخليج، تؤكد على التزام الولايات المتحدة بأمن الخليج، والذي يمتد، نظراً لحالة الفوضى الراهنة، إلى الساحة السورية، والتي أصبحت بنظر بعض اللاعبين الخليجيين، وفي مقدمتهم السعودية، تش كل عمقا لأمنهم الوطني، في ظل الصراع المحتدم مع الجار الإيراني اللدود.

إن قراءة المعطيات والتطورات الأخيرة في الشمال السوري تنبئ عن استراتيجية أكثر وضوحا لدى الإدارة الأمريكية، فالأولوية الرئيسي ة هي هزيمة ودحر “تنظيم الدولة” )داعش(، وتحقيق الاستقرار في المنطقة، مع الحفاظ على الدور الأكبر لها، وتحجيم دور اللاعبين الدوليين والإقليميين قدر الإمكان.

ولقد استعرض البنتاغون مع الإدارة الأمريكية الجديدة مخاوفه الجد ي ة من أن يمنح دحر “داعش” فرصة لبعض اللاعبين كي يقوموا بملء الفراغ، خصوصا مع ضعف القوى المحلية العربية، من قبائل ومجتمعات أهلية ومدنية، وهو ما يش كل بطبيعة الحال إمكانية لتمدد إيراني محتمل، عبر دعم “الحرس الثوري” الإيراني لقوى كردية أو بعض العشائر.

وكان واضحا خلال الأسابيع الأخيرة أن رؤية البنتاغون للتدخل العسكري المباشر في سوريا تعتمد بشكل أساسي على زيادة عدد القوات، وبناء قواعد عسكرية، ما يتيح للجيش الأمريكي لعب دور ميداني أكثر فاعلية، بالإضافة إلى دعم حلفائها، خصوصا “قوات سورية الديمقراطية”، و”قوات حماية الشعب” الكردية من أجل هزيمة داعش، وهذا ما أفادت به العديد من التقارير مؤخر اً، والتي أكدت على تزويد الولايات المتحدة لتلك القوات بعتاد ومعدات عسكرية جديدة، ومناظير ليلية مثل تلك التي تستخدمها قوات “المارينز”.

إن القول بوضوح الأهداف السياسة الأمريكية الجديدة لا ينفى فكرة التعقيدات الكبيرة على الأرض، وتداخل مصالح اللاعبين، من حلفاء وخصوم، وهو ما تأخذه الإدارة الجديدة بالحسبان، في محاولة وضع خطط عسكرية مرنة، وقابلة للتعديل، لموازنة كل تلك المصالح والأهداف المتضاربة، وهو ما يعمل عليه البنتاغون، لإيجاد تصورات ميدانية مناسبة، وتكون قابلة لإجراء تعديلات تتناسب مع الاحتمالات العديدة التي تنتظر واشنطن في ملف معقد كالملف السوري.

إن من أهم المشكلات التي تواجه البنتاغون وإدارة ترامب هوالقلق التركي من تزايد قوة ونفوذ القوات الكردية، إضافة إلى النفوذ الإيراني السياسي والعسكري في سورية والعراق، والذي يشكل خطراً استراتيجيا لإسرائيل أقوى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهذا ما ص رح به بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية مؤخر اً، حيث اعتبر أن المخاوف من التمدد الإيراني العسكري المباشر داخل سورية أصبح هاجسا وتهديداً واقعيا على الأرض.

وإذا كانت التوجهات الرئيسة لإدارة ترامب والبنتاغون، أقله في الوقت الراهن، هي دعم القوات الكردية في الشمال السوري، فإن تلك التوجهات في الجنوب السوري برزت من خلال الترتيبات الجديدة التي تجريها الولايات المتحدة مع الطرفين الإسرائيلي والأردني، والتي تتمثل إعادة هيكلة فصائل “الجيش الحر” في الجنوب، وتأهيلها أكثر لتكون ذات هدف عسكري سياسي مشترك، يتمثل في منع أي تواجد لقوات حزب – الله بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

إن أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لإدارة ترامب، وما سينبثق عنه من خطط عسكرية، في سورية، يتمثل بمحاصرة النفوذ الإيراني، وهو محاولة لتصحيح الأخطاء التي وقعت فيها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، والتي سمحت بتم د د النفوذ الإيراني في سورية والعراق، وأعطت الروس دوراً حيويا في الشرق
الأوسط، وهو ما يتناقض على طول الخط مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى.

من جهة أخرى، فإن زيادة البنتاغون لقواته العاملة في الشمال السوري له دلالات سياسية تتجاوز مسألة دعم “قوات سورية الديمقراطية” في مواجهة “داعش”، فتثبيت قواعد عسكرية أمريكية يجعل من إمكانية توسيع نطاق عملياتها لاحقا أمراً يسيراً، كما من شأنه أن يكون عامل تهدئة مع أنقرة، إذ يمكن للأمريكان أن يكونوا عامل توازن بين الحفاظ على مصالح حليفهم الكردي، وفي الوقت نفسه، أن يقوموا بضبط سلوكه تجاه الحدود التركية، خصوصا أن الإدارة الأمريكية الجديدة لا تريد خسارة تركيا كحليف استراتيجي، وهو ما أكد عليه الرئيس ترامب حين بادر إلى تهنئة رجب طيب أردوغان بنتائج الاستفتاء الأخير حول الدستور.

المصدر: مركز أسبار

اترك رد

Translate »