سيف الغربة وسكين الاتهامات..!

الرقة بوست ـ عروة المهاوش

في الغربة واللجوء، وخصوصاً في تركيا التي كانت محطتي الأولى والأخيرة في النزوح، تسلخ جلدك آخر كل شهر، ويتلون وجهك كل صباح بلون شاحب، وقد تصاب بالوهن حين تفتح باب بيتك، وتلقي أول نظرة على علبة ساعة الكهرباء وعداد الماء، وفي قرارة نفسك تدعو الله أن تكون فارغة، تتسارع نبضات قلبك وأنت تمسك بالفاتورة باحثاً عن الرقم، تخذلك عيناك فلا تتضح لك رؤية الأرقام الصغيرة كتابياً بينما هي جبل من الهموم تقع فوق رأسك، تضع نظارتك وتقرأ الرقم، تبسمل ثم تحوقل، تتعوذ من الشيطان، وتدس الفاتورة بجيبك لتكون قريبة من بعض القطع المعدنية الصغيرة التي تمتلكها، في الباص تفكر من أين سوف تستدين وكم من المرات عليك سلخ جلدك، وهدر ماء وجهك، وتمريغ كرامتك، وأنت تطلب من الآخرين!! وممن ستطلب؟!

اختيار الأشخاص يربك عقلك وتفكيرك فأنت لا تريد أن تكون عبئاً ثقيلاً على أحد هذا من جهة، ومن جهة ثانية تقول في سريرة نفسك: “الحال واحد فلا يختلف فلان عني بشيء”، ثم تقنع نفسك أن فلاناً له إخوة وأقارب يعملون في الخليج وفي أوربا، فقد يكون حاله أفضل من حالك، تستبعد هنا الأقارب والإخوة لأسباب عديدة واضعاً هدفك أصدقاءك فقط.

في عملك التطوعي تجد أشخاصاً رائعين جداً مخلصين لعملهم بكل تفانٍ لكنهم مثلك مفلسين دوماً، كرماء ويتقاسمون معك ما في جيبهم حين تمد يدك إلى جيوبهم دون طلب، يعرفون تماماً تفاصيل وجهك وتعابيره حين دخولك، في المقابل هناك أناس مقدرتهم المادية جيدة ولا نستطيع سلخ جلودنا أمامهم، ونحاول التظاهر بأننا مستورين والحمد لله، هذا التناقض في التعامل مصدره القلب أولاً يليه العقل الذي يرفض أن تطلب منه شيئاً معتبراً الأمر تنازلاً أو سفح ماء وجهك بغير مكانه، قد تشعر بالندم لأنك لم تطلب لكنك في النهاية تكون مرتاحاً لعدم الطلب حين تسمع من صديق ما، قصته المشابهة لما تمر به.

في عملك التطوعي “الثوري” يجب أن تقدم وتعمل مهما كانت حالتك النفسية سيئة، ومهما كانت ضغوطات الحياة المعيشية كبيرة تكتم على أنفاسك، وصدرك المخنوق أصلاً، وأنت ترى حين عودتك للبيت أصنافاً من التمر والبلح بينما صوت ابنتك يقتلك، وهي تطلب منك بعضاً منها للتحلية وأنت تدعي النسيان، مطلقاً وعداً جديداً لها أن تحضر لها غداً، تتعثر بلا شيء، قبل الوقوع أرضاً. تتسمر عيناك على حذاء رياضي كنت تتمنى شراءه كي تتخلص من ألم قدميك، وأنت تعود إلى بيتك مشياً على الأقدام كي تحافظ على صحتك، وليس توفيراً للقطع المعدنية التي بقيت في جيبك مع فاتورة الكهرباء التي عادت معك دون إشعار بدفعها.

في المقابل، وعلى الشاشة الزرقاء يجب عليك أن تتسم بالهدوء والرصانة، وأن تكون متحضراً وديمقراطياً في كتاباتك وردودك على أصدقائك، وغيرهم وأن تنتقي عباراتك بدقة متناهية حين يوجه لك البعض منهم سيلاً من الاتهامات التي بناها عقله الباطن فقط.

في سوريا كان البقاء على قيد الحياة هدفنا، ليس لتمسكنا بالحياة، بل لنبقى صامدين أمام كل آلات القتل والدمار، لنستمر على الأقل بثورتنا التي أقسمنا يوماً ما ألا نخون دماء الشهداء أولاً.

خارج سوريا، وبدول اللجوء هناك ما هو أثمن بكثير جداً من الحياة فلا خطر حقيقي على حياتك سوى سكين الغدر أو طلقة كاتمة من شخص جبان قبض ثمنك، الصراع على البقاء هنا ألا تقدم تنازلات لمانحي الدولارات وعبدته، وأنت تصارع لقمة البقاء، وألا تكون تابعاً ومهرجاً في المجالس والتشكيلات المتنوعة، ستواجه هنا حرباً خفية لكنها مكشوفة بالنسبة لك، حرباً تريد استبعادك عن جلساتهم ودسائسهم ليأتيك أحدهم صباحاً يوزع أمامك الابتسامات المزيفة. من وصل إلى أوربا وأميركا وكندا أقول لهم لا تندموا يوماً على خروجكم، فقد حصلتم، على الأقل، على قدر أكبر منّا من الكرامة التي تحفظها لكم تلك الدول، ورسالتي الأخيرة لكم كونوا رحماء بنا، ونحن نقاتل ونقاوم ببطون خاوية كروشاً متخمة، تصدرت المشهد السياسي ويتقاضون ثمن جوعنا وتشردنا، وبيوتنا المهدمة وأحلامنا التي تهشمت وباتت كالسراب.

لديكم، ولدى أبنائكم الفرصة الأكبر للدراسة والحصول على الشهادات لتعودوا يوماً لبناء وطن غادرناه جميعاً فلا تكونوا أنتم والزمن علينا.

 

اترك رد

Translate »