وفيه تنضج الأرواح.. شهر آب مجزرة حي البوسرايا

عروة المهاوش – الرقة بوست
قديماً قِيل لنا أنه وبشهر آب ترتفع درجات الحرارة حتى سُمي هذا الشهر بآب اللهّاب، وفيه تستوي العناب “العنب”، لكنهم لم يذكروا لنا أنه وبهذا الشهر تنضج أرواح السوريين ليرتقوا جماعات وعائلات بأكملها نحو السماء، لم يذكروا لنا كيف تنضج جمجمة الرضيع حين يجوع لوجبة الحليب فيصرخ من شظية تشطر رأسه اللبني شطرين، لم يذكر لنا أجدادنا كيف نتصرف حين نحمد الله وقت الفاجعة، ونحن نجمع أشلاء أحبتنا من بين الركام وبين الدخان محاولين التعرف على تلك الأشلاء، أهذه القدم لأحمد أم أن تلك اليد لفاطمة أم يا ترى هي لشقيقتها التوأم خديجة..؟!!
لم يذكروا لنا أيضاً كيف تتعانق أنفاس خمسين روحاً جمعهم الموت بغرفة واحدة في قبوِ تحت الأرض دخلوه مرغمين يضيق به صدر الآباء وهم ينزلون نحو الأسفل نحو القبر الكبير.
قال لها أرضعي الصغير قبل “الموت الكبير” رددها في قراره نفسه، لكنها شعرت بتلك الغصّة، والحشرجة من صوته، ورجفة يده حين تناول كأس الماء، في الجهة المقابلة كان أبو أحمد يلملم أطفاله حوله فيما زوجته أدارت وجهها للجدار تبحث عن ثقب للنور، نحيبها الصامت يفجر غشاء طبل أُذني أبو أحمد فيناديها بقلبه فقط، تسمع النداء بقلبها أيضاً، تدير وجهها نحوهم وحين تقف وتمشي خطوتها الأولى يختلط الصراخ بصوت الانفجار وتمتلئ الرئة بدخان قاتل، تنعدم الرؤية لكن صوت الأنين لا يتوقف وصوت الدعاء وترديد الشهادة، تنهض رغم جراحها المثخنة وتمسح جبينها بحجابها وتفتح عينيها للحظة كي ترى، تخذلها الرؤية في هذا الظلام الحالك وتقف متسمرة بمكانها ورجفة من أسفل قدميها حتى الرأس حين تلامس قدمها جسداً ما زالت دماؤه دافئة، يتوقف نبض قلبها للحظات ويشتد عليها النزيف فتنتفض مرة أخرى حين تسمع صراخ الأطفال من حولها وهي التي لم تعد تميز بين صوت أطفالها من أصوات الأطفال، كلهم بالنسبة لها هذه اللحظة أطفالها بقلب الأمومة التي تنبض بين ثنايا ضلوعها المتكسرة، لا صوت لصراخها في هذا الموت الأسود، تسقط متهالكة قبل خطوتين من وصولها لقدم زوجها الذي يحتضن جثث أبنائها الخمسة.
الشاهد الحي
خرج مرغماً رغم القصف الناتج عن معركة السيطرة على الأرض، بكاء طفله الذي لا يعي ما يحدث حوله وهو يطلب كيساً من البطاطا التي يحب، حاولت أمه إرضائه بما تملك من حيل لكنها لم تنفع، ولم تنفع أيضاً محاولات النسوة من حولها بإعطائه مما لديهن لأطفالهن، فهو لا يريد إلا من البقالة، حين داست قدماه أول الدرج وبان له الفضاء، تسللت إلى رئته رائحة البارود، لكن تلك النسمة المحملة برائحة شجيرة الليمون أنسته الحرب، والموت فشهق منها نفساً عميقاً بلغ أعماقه، وتابع سيره نحو الشارع، قبيل خروجه تلصص بالنظر يمنة ويساراً باحثاً عن قاتل مختبئ محتمل وجوده، لكن عينيه التي اعتادت الحياة والوجوه التي تبعث الطمأنينة في النفس خذلته فلم يتعرف على تلك الوجوه الغريبة، تابع سيره حتى وصل للبقالة واشترى لطفله ما يريد وحين كان يمد يده لجيبه ارتجت الأرض بصوت انفجار الصاروخ، لم يدر كيف أصبح في الشارع مهرولاً نحو المكان الذي تركه منذ لحظات، ويده تقبض بكل ما يملك من قوة على كيس البطاطا، يتخيل للحظات إسعاد طفله الذي كانت أشلاؤه تختلط مع أشلاء من معه، ارتمى أرضاً وصرخ وبكى حين رأت عيناه بقعاً من الدماء على كيس البطاطا بيده.
وحده إبراهيم الكبع كان يحتضن زوجته فيما كانت الدماء تتقطر من جبينه لتروي جبينها الذي ما زالت حرارته على تلك البقع الصغيرة من سجادة الصلاة.

اترك رد

Translate »