الوقفة الأخيرة..!

الرقة بوست ـ يوسف دعيس

كان من المقرر أن تستمر حملة الكشف عن المعتقلين والمغيبين قسرياً، التي دعا إليها الملتقى المدني للرقة، إلى حين تحقيق أهدافها من الناحية الحقوقية والإعلامية، وتشكيل رأي عام حول هذه القضية الهامة، لكنها جاءت على استحياء رغم وقوف صحيفة الحرمل ونقابة المعلمين معها، طوال الأسابيع العشرة على التوالي دون انقطاع، علّها تحرك الساكن في قلوب وعقول أهلنا، لكن وللأسف الشديد لم تحرك شيئاً، ولم تحدث تغييراً، ولم تشكل حالة عامة كان من الممكن التأسيس عليها لمخاطبة المنظمات الحقوقية والإنسانية والهيئات الدولية، للسؤال عن المعتقلين والمغيبين قسرياً عند النظام، أو لدى داعش، أو لدى قوات قسد، أو لدى الميليشيات بأنواعها.

الوقفة الأخيرة جاءت صادمة ومؤثرة، وحملت عنواناً مؤلماً “لا بواكي لهم”، وتُركت الصور واللافتات مركونة على سور دوار المدفع في شانلي أورفا التركية، دون أن يرافقها أحد من المعتصمين، في إشارة صارخة إلى أهلنا “أين أنتم؟”. وسط دهشة وذهول المشاركين في الاعتصامات حول غياب الضمير، أو بالمعنى الحقيقي للكلمة تغييب الضمير في زمن تسيطر على أركانه مفاهيم مغلوطة حول آلية غلبة اللاجدوى في أي فعل نقوم به تجاه أهلنا المعتقلين والمغيبين في سجون داعش وقسد والنظام والفصائل الأخرى.

أغلب المنظرين، خصوصاً رواد الفيسبوك، كانوا يعملون بجدية على فكرة واحدة فقط، تتمثل في إنهاء هذا الاعتصام، وإحباط المعتصمين وبأي طريقة ممكنة، وعلى مبدأ إذا دخلت إلى بيتك بالقدم اليمنى، كان يجب عليك الدخول باليسرى، وإن دخلت باليسرى، يقول لك يجب أن تدخل بقدميك معاً، وإن دخلت بالقدمين، يريد منك الدخول قفزاً، وإن دخلت قفزاً، كان يجب عليك الدخول شقلبة، في موقف تعجيزي صادم لا يريد لك أن تتقدم خطوة صحيحة إلى الأمام، وهو أشبه ما يكون بموقف العاجز، أو هو يريد أن يحجز لك مكاناً في صومعته، في موقف يشبه مكانة هزازي الرؤوس في مجالس الشعب المهترئة، أو على أقل تقدير يريد لك أن تكون مجرد كومبارس، تؤدي أدواراً رخيصة لإحياء سيرته الثورية الميتة مادياً ومعنوياً.

موقف المعتصمين لم يكن موقف العاجز أو الميت، بل هو صرخة مدوية في وقت عزّ فيه الموقف الصائب، وعزّ أصحابه، وكنّا نأمل أن يلقى صدىً إيجابياً في قضية إنسانية بحتة، وبعيداً عن اصطناع المواقف واجتراح المعجزات، كان من الممكن وعلى أقل تقدير أن يكون إلى صف هذا الاعتصام كل من خرج لأجل الحرية والكرامة، وهم ليسوا بقلّة قليلة، ولن تنقص الوقفة من مكانتهم الثورية، وبظني أن الوقفة ليست تشريفاً بقدر ما هي تكليف، تقتضيه المصلحة الإنسانية أولاً وأخيراً.

ختاماً كل التحية والتقدير للرجال والأطفال الذين وقفوا معتصمين خلال عشرة أسابيع في ساحة المدفع في مدينة شانلي أورفا، وهم يرفعون شعارات تطالب بالإفراج عن المعتقلين والمغيبين، دون أن يحصلوا على التراخيص والموافقات، رغم عددهم القليل جداً، لكنهم كانوا كباراً بحق.

 

اترك رد

Translate »