إدلب وحلب تنتفضان ضد “تحرير الشام”: “الجولاني عدو الله”

محمد عبداللطيف
بسطت “جبهة تحرير سوريا” سيطرتها على قرى ومدن أطمة وقاح وترمانين وحزانو وصلوة وكفر لوسين شمالي إدلب، عقب اشتباكات مع “هيئة تحرير الشام”، بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، كما سيطرت “تحرير سوريا” على قرى تقاد وباتبو وبسطرانوين وكفر ناصح ودارة عزة غربي حلب.

وقالت “تحرير سوريا” عبر معرفاتها الرسمية إن السيطرة على تلك القرى جاءت بالتعاون مع الأهالي، وأصدرت تعميماً إلى مقاتلي “تحرير الشام” تَضَمّن سلامة من يلتزم بيته أو يسلم سلاحه منهم، وطلبت من عناصرها عدم إيذاء الجرحى والأسرى أو الإساءة إليهم أو ترويع المدنيين.

وهاجمت “تحرير الشام”، ليل الإثنين/الثلاثاء، “لواء مغاوير الثورة” التابع لـ”فيلق الشام” في قرية حربنوش شمالي إدلب، وقتلت اثنين وأسرت ثلاثة من عناصره، وتواصلت المعارك في حربنوش ومعرشورين وحارم ونقاط حول معبر الباب، مع استمرار دفع الطرفين بتعزيزات عسكرية جديدة.

وتواصل الحراك الشعبي في معظم قرى ومدن ريفي إدلب وحلب، بغرض تحيّيد المدنيين عن الاقتتال، خاصة بعد مقتل العشرات منهم. واشتعلت المظاهرات نصرة لبلدة حزانو، وكانت بمثابة ثورة شعبية واسعة، لم يخرج لها مثيل من قبل ضد “تحرير الشام”. وهاجم المتظاهرون حواجز “تحرير الشام” في بلدة كفرنبل وأحرقوها بعد هروب العناصر منها، كما هاجموا “إدارة القاطع الجنوبي” لمخيمات أطمة ودمروا محتواه، وعطلوا الطرقات المؤدية إلى جنوبي إدلب في قرية المسطومة وقطعوها بالحجارة كي لا تعبر الأرتال العسكرية منها، وطردوا عناصر “تحرير الشام” من مؤسسة المياه وفرن منطقة أطمة قبل أن تسير أرتال لـ”تحرير سوريا” وتسيطر عليها.

ورفع المتظاهرون أعلام الثورة وهتفوا في مدينة معرة النعمان وبقية القرى التي تجمهروا بها: “الجولاني عدو الله والنصرة عدو الله”، “جولاني ولاك ما بدنا ياك”، “يا جولاني ومانك منا خود تنظيمك وأرحل عنا”، و”بدنا نشيلو للجولاني بهمتنا القوية سورية بدها حرية”، “ياللعار ياللعار الجبهة أوسخ من بشار”.

وبهدف عدم توسع رقعة المظاهرات وتداولها، قطعت “تحرير الشام” الخطوط الرئيسية المغذية لأبراج الإنترنت في مدينة حارم، وفصلت الإنترنت الفضائي في كافة مناطق سيطرتها، خاصة عن مدينة إدلب وكفرتخاريم وبنش وسلقين وطعوم وتفتناز، بينما استمرت خدمة الإنترنت خارج مناطق “تحرير الشام” بشكل اعتيادي.

وتحاول “هيئة تحرير الشام” و”جبهة تحرير سوريا” عبر معرفاتهما الرسمية أو بواسطة المنصات الإعلامية التابعة لهما بشكل غير رسمي، بث إشاعات وحرب نفسية ترهب المدنيين ضمن المناطق التي يحاول كلٌ منهما انتزاعها من الأخر، وتتشابه الخطابات الإعلامية للطرفين في الحديث عن عمالة الآخر، وإبراز أخطائه على أنه الباغي والمعتدي بهدف تشتيت مقاتليه قبل اقتحام مناطقه ودفع المدنيين ضده.

ولعل “حركة نور الدين الزنكي”، أبرز مكونات “جبهة تحرير سوريا”، أفضل من يجيد استقطاب المدنيين في خطابها كونها تتحدث بلغة ثورية وتتبنى علم الثورة السورية. وبات المدنيون يتململون من التهويل والخطابات الإسلامية المتشددة لـ”جبهة تحرير الشام” الفصيل الوحيد المتبقي من “هيئة تحرير الشام”، ويشبهها البعض بإعلام النظام. وفقد المدنيون ثقتهم بخطابها، جراء الوعود السابقة التي لم تنفذ مضمونها، وتعهدت خلالها بتقديم عوائد معبر باب الهوى لخدمة المدنيين، علاوة عن الوعود التي قدمت سابقاً بالحفاظ على ثلثي الساحة ثم خسارتها ثلث المنطقة المحررة بعد انسحابها أمام مليشيات النظام شرقي سكة الحجاز. هذا بالإضافة إلى ما تنكره “تحرير الشام” في بياناتها، ويشاهده المدنيون في الواقع، من معابر فُتحت تحت سيطرتها، وتسلّم منها النظام طائراته وآلياته العسكرية المدمرة، خاصة من مطار تفتناز، مقابل بدل مادي يعود لـ”جبهة فتح الشام”.

وبثّت وكالة “إباء” التابعة لـ”تحرير الشام”، خبراً تحدثت فيه عن مصادرة “الهيئة” لعشرين دبابة، خلال اقتحام إحدى نقاط “تحرير سوريا”، وتحدثت عن إعطاب عشرات الآليات ومصادرة أسلحة متنوعة خلال حملاتها، في ما يُشبه مبالغات وأكاذيب وسائل النظام. وقالت “الهيئة” إنها “ترد العدوان وتقمع الطغيان وستبقى شوكة في حلوق الأعداء”. “جبهة تحرير سوريا” استغلت أحداث حزانو، ودعت إلى مظاهرات عارمة وأصدرت بيان استعطفت فيه المدنيين، وعنونته: “الانتفاضة الشعبية ضد الجولاني”. ولقي البيان صداه بين المدنيين، واشتعلت معظم القرى بمظاهرات نصرة لحزانو، وهتف المدنيون ضد الجولاني.

وبهدف عدم وجود تحركات أو نشاطات مدنية ضدها، أعلنت “تحرير الشام”، الأحد، حظر تجوال في مدينة إدلب، وعممت بيان الحظر من خلال مراصد المنطقة، من دون نشره بطريقة رسمية، كي لا تُتهم بالضعف الأمني لدى كوادرها. وجاء في البيان الذي أذيع على القبضات اللاسلكية المتوفرة لدى معظم المدنيين، أنه “يمنع أي تحرك بعد الساعة العاشرة ليلاً إلا للضرورة القصوى، وأن كل مدني يضبط ليلا سيتم التعامل معه من قبل الجهات المختصة وذلك للضرورات الأمنية التي تفرضها الأوضاع الراهنة”. ورغم حظر التجوال خرجت بعد منتصف الليل تظاهرة في مدينة إدلب نصرة لحزانو، ورفعت خلالها هتافات جريئة ضد الجولاني و”الهيئة”، في أكبر معقل لهما.

وقال أحد المتظاهرين لـ”المدن”: “التظاهرة انطلقت من ساحة الساعة وجابت شوارع إدلب نحو ساحة المتنبي ثم حي الناعورة وجامع الحسين”، وأضاف: “بطبيعة الحال، بعد سبع سنوات من الثورة، فإن معظم المدنيين يمتلكون سلاحاً، لذا فقد كانت نصف التظاهرة تقريباً مسلحة، وكانت مخاوفنا من أن تستهدفنا الهيئة كما يحصل في حزانو وغيرها، وبالفعل بعد عبورنا بالعودة نحو دوار المتنبي، جاءت عربة تحمل رشاش 23 ووقفت عند الدوار المؤدي لمعرتمصرين وأطلقت رشقات في الهواء، وتفرقت بعد ذلك التظاهرة”.

التظاهرة المسلحة أربكت “تحرير الشام”، ودفعتها إلى نشر آليات ثقيلة، حول وعلى مشارف مدينة إدلب، ووجهت نداءً لكافة الثوار داخل إدلب من غير المنتسبين لها بضرورة تسليم سلاحهم، وهددت بحملات دهم واعتقال ومصادرة سلاح كل من يخالفها.

الخدمات التي تقدمها “حركة نور الدين الزنكي”، و”جبهة تحرير سوريا”، تجعل مناطقهما حيوية أكثر بالنسبة للمدنيين، وتكرس “الزنكي” جهداً كبيراً لضبط الأمن. وتقل في المناطق التي تسيطر عليها “الزنكي”، حالات القتل والخطف والسرقة مجهولة الفاعل، ويكاد ينعدم انفجار العبوات الناسفة، وتنضبط فيها إيجارات المنازل وأسعار السلع التجارية والمحروقات، كما تسمح وتساعد “الحكومة المؤقتة” على تسيير أمور المدنيين، واستكمال العملية الطبية والتعليمة وتسيير المعاهد الخاصة. ولا تتدخل “الزنكي” بشؤون المدنيين إلا في الأمور الجنائية، وتمتلك سجوناً معروفة لدى الجميع، وقضاة مدنيين، بالتنسيق مع “الحكومة المؤقتة”.

بينما لا تكاد “تحرير الشام” تلقي بالاً للأوضاع الأمنية في مناطقها، وتنتشر فيها العبوات الناسفة، وتسجل عشرات الحوادث والصدامات مع المدنيين نتيجة تكفيرهم من قبل “الحسبة”، وتكثر جثث القتلى المرمية على أطراف إدلب وغيرها جراء عمليات قتل مجهولة الفاعل، فضلا عن انتشار السرقات وعمليات الخطف، وفتح المنازل وإفراغ أثاثها بحجة انتساب أقرباء مالكيها لقوات النظام. ذلك عدا عن السماح لعشرات المهاجرين بافتتاح مقرات ضمن الأحياء المدنية، الأمر الذي يجعل المناطق المأهولة عرضة للقصف، ما يكبد المدنيين خسارة عشرات الضحايا عدا عن أملاكهم. وطردت “تحرير الشام” حكومة الائتلاف من مناطق سيطرتها وحلّت مؤسساتها ووصفت مؤيديها بالعلمانيين، الأمر الذي يجعل الخدمات المقدمة للمدنيين معدومة. وتحل عوض عن “الحكومة المؤقتة” في مناطق سيطرة “تحرير الشام” “حكومة الإنقاذ” التي شكلتها من دون أي دعم دولي أو شعبي، وهي تفرض على المدنيين ضرائب لتقديم المياه والخدمات العامة وحفظ الأمن ورسوماً على العربات الخاصة والمحال التجارية، وضرائب أخرى على الكهرباء رغم ان الكهرباء تقدم بالمجان من قبل النظام مقابل وصولها إلى كفريا والفوعة. وبات المدنيون يتململون من ارتفاع الضرائب وانتشار الجرائم والعناصر المسلحة الملثمة، وضعف الأمن والخدمات، من دون اكتراث “تحرير الشام” لذلك.

وأصدرت الفعاليات المدنية في معرتمصرين والدانا ومعرة النعمان وغيرها بيانات خطية تؤكد وقوفها مع “تحرير سوريا” وترفض زج مناطقها وأبنائها في قتال ضد “تحرير الشام”. وخرجت التظاهرات في كافة المناطق التي صدرت عنها بيانات تناصر “تحرير سوريا”، وازدادت بعد تداول ناشطون مقطعا صوتيًا لأحد عناصر “الهيئة” توعد خلاله بقطع رؤوس “من غدروا بهم” من أهالي بلدة حزانو. التصعيد في حزانو جاء بعد رفض أهالي البلدة مرور أي رتل عسكري من بلدتهم، وقطعوا الطريق على رتل لـ”تحرير الشام” واستولوا على بعض آلياته. واعتبرت “تحرير الشام” الأمر نقضاً لاتفاق تحييد البلدة، وقامت باستهدافها بالدبابات والمدفعية الثقيلة.

وتواصل “تحرير الشام” زج القرى والفصائل ضمن اقتتالها، واقتحمت معسكراً تابعاً لمقاتلين مُهجّرين من الزبداني من “كتائب الحمزة”، رغم أنها كانت قد أعلنت عبر بيان غير رسمي انفصالها عن “حركة أحرار الشام”. لكن ذلك لم يجد نفعاً لتجنيب مهجري ريف دمشق ويلات الاقتتال. واعتقلت “تحرير الشام” مقاتلي الزبداني المقيمين في المعسكر عقب اقتحامه، وسيّر مقاتلو الزبداني رتلاً عسكرياً بهدف إطلاق سراح مقاتليهم. وصادرت “تحرير الشام” أسلحة مقاتلي “كتائب الحمزة” قبل أن تطلق سراحهم بعد مفاوضات طويلة.

وقال أحد مقاتلي مدينة الزبداني لـ”المدن”: “تقدمت تحرير الشام بأرتال عسكرية تحمل أسلحة متوسطة إلى المعسكر، وسيطرت على كافة محتوياته وأسرت العناصر الموجودين داخله، وصادرت الأسلحة التي خرجنا فيها من ريف دمشق، ولم نتمكن من إطلاق سراح الشبان المعتقلين إلا بعد مفاوضات طويلة تم التواصل خلالها مع قيادات الهيئة والحركة، ونتيجة تأخر إطلاق سراح العناصر سيّرت قوة عسكرية لاستلام العناصر المعتقلين ولكن لم نتمكن من استعادة الأسلحة”، وأضاف أن “مقاتلي الزبداني وبعد خروجهم من حركة أحرار الشام لن ينضموا لأي فصيل آخر في الوقت الحالي، وذلك الى حين تبيان ما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة، وبهدف الابتعاد قدر المستطاع عن حرمات دماء المسلمين”.

“المجلس الإسلامي السوري” أصدر بياناً، الإثنين، طالب فيه الفصائل بقتال “تحرير الشام”، ووصف البيان الجولاني وعناصره بـ”البغاة المارقين” وطالب العناصر بالانشقاق عن الجولاني والالتحاق بفصائل الجيش الحر أو إلقاء السلاح والاعتزال. ودعا المجلس الفصائل إلى تحييد المدنيين والحفاظ عليهم وتجنيبهم مناطق الاشتباك، وطالب الأهالي بالانتفاض وطرد عناصر “الهيئة”، معتبراً أن من يقف على الحياد يَعينُ “الهيئة على بغيها وغدرها”، وقال إن “تأخر أمد القضاء عليها يصب في مصلحة النظام”.

المدن

اترك رد

Translate »