الرئيسية / مقالات رأي / الدين كمدخل ومؤسس للعلمانية
الدين كمدخل ومؤسس للعلمانية

الدين كمدخل ومؤسس للعلمانية

قاسم الهندي

عادة ما يتم التعامل مع العلمانية خارج السياق الاجتماعي العاملة به افتراضاً، من حيث أنها تخص أناساً يحتويهم ويشملهم هذا المفهوم، لتغدو أداة للمشروعية السياسية في نظر المنادين بها، لتتحول لشكل أيديولوجي بحت من حيث الممارسة، في تقابليتها مع الدين، فلا يصير اجتماعهما سوى من أجل إقصاء أحدهما للآخر، فإما تواجد للدين بشكله السياسي (الإسلام السياسي مثلاً)، أو للعلمانية بوجهها الشعبوي، الرابط لإمكانية التعريف بكلاسيكية الطرح (فصل الدين عن الدولة).

عملياً حتى كلاسيكية الطرح في إمكانية الفصل، ما بين الدين والدولة. مستندة إلى تأكيد تعريف كليهما معاً، ليصار إلى إمكانية الفصل. فلا يمكن فصل ما ليس موجوداً بالأساس، كما يحاول “العلمانيون” العرب، في طريقة طرحهم المتجاوزة لأساسية التأكيد، قبل إمكانية الفصل. رغم ما للمفهوم (علمانية) من مسيرة مع الدين تحاول بها الدولة أن تكون حيادية باتجاهه، لكنها هي بعد التعريف التي تسير وتحدد طريقة حركته في المجتمع، من حيث حرية المعتقد، وإمكانية الممارسة، ودور العبادة، ورجال الدين، ودورهم بالمجتمع.

أي أنها تحدد مكان الدين في المجتمع، استناداً إلى مفهوم الحرية، وقيم العدل، والمساواة مع الآخرين، ضمن إطار قانوني يكفل حقوق الجميع. لكن تاريخ المفهوم (علمانية) ليس مفهوماً فيزيائياً، يحتمل إمكانية تطبيق واحدة، ضمن هذا الطرح الكلاسيكي المدرسي، في أشكال سياسية متعددة، ومختلفة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ذات التاريخ العلماني العربق، وضمن خصوصية مختلفة عن كثر من الدول الأوربية في التعامل مع المفهوم، من ناحية التطبيق، ومن ناحية الخصوصية الاجتماعية/ السياسية للولايات المتحدة الأمريكية، فرغم وضوح وتشديد الدستور الأمريكي على الحقوق المتساوية للجميع، إلا أن السود الأمريكيين كانوا يعانون من عبودية على أرض الواقع لمنتصف القرن العشرين، لم تختلف كثيراً عن قبل إلغاء عبودية السود في أميركا، بعد توقيع الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن التعديل الثالث عشر في الدستور الأمريكي لعام 1865 وألغي بموجبه العبودية في الولايات المتحدة.

يوجد جانب اجتماعي لا تستطيع ممارسات السياسة/ القانون الوصول اليه، بمجرد سنها لقانون معين، ينفي أو يؤيد هذا الجانب، لكن بالمقابل لا يمكن إغفال أولوية الشرط السياسي/ القانوني، كأرضية تستند عليها الفاعلية الاجتماعية في إمكانية التحرك. أخذت حركة السود في المطالبة بحقوقهم تزداد، وتتكاثف، وتتخذ أكثر من شكل، لأجل المساواة مع باقي الأمريكيين (البيض). وكان (مالكوم اكس) أبرز المنادين بهذه الحقوق، لكن بشكل متطرف، يتجاوز المساواة، إلى الإلغاء للبيض. وكان من أبرز الناطقين باسم أمة الإسلام بقيادة (ايلاجا محمد)، كانت طروحات أمة الاسلام متجاوزة لمفهوم الدولة، وشكل آخر لعنصرية بديلة عن عنصرية البيض، يكون فيها الأسود سيداً والأبيض عبداُ، فإما انتظار حدوث معجزة إلهية لتحقيق هذا المطلب، أو إعادة السود إلى قارة أفريقيا، (حسب طروحات أمة الإسلام).

ضمن طروحات أمة الإسلام كانت الدولة كجهاز يحتوي الجميع، ويعرفهم جميعاً كمواطنين متساويين، ملغياً تماماً. ومالكوم اكس هو أبرز خطباء ومفوهي أمة الإسلام في التعبير عن هذه الرؤى. فقد كان يعتبر هو، و أمة الإسلام، أن الدين الإسلامي هو دين الرجل الأسود، الذي بعثه الله لهم للخلاص من عبودية الرجل الأبيض لهم!. إلى أن كانت صدمته المعرفية في مكة، التي قيّضت كل أفكاره العنصرية، باتجاه البيض. بعد أن وجد الأبيض والأسود وكل الأعراق يتشاركون بنفس طبق الطعام، ويلبسون نفس اللباس، دون أي تفريق أو تمييز، استناداً إلى اللون والعرق. فعاد إلى أمريكا بعقلية مختلفة تماماً عمّا كان يدعو إليه، وغير متفقة مع طروحات أمة الإسلام، التي انفصل عنها بسبب هذا الاختلاف. أهم ما في هذا الاختلاف هو عودته بمفهوم المساواة بين الجميع، وأن لا فرق بين أبيض وأسود، أو كما قال (إدانة كل البيض تساوي إدانة كل السود).

ما حققه اكس هو إدخال السود عن طريق الدين، تحت مظلة الدولة المنادية أصلاً بالمساواة دون تطبيقها للمفهوم نفسه. هذه الإعادة وإن استخدمت الدين، إلا أنها لم تجعله معرفاً للسود الأمريكيين، بل دمجتهم بالمجتمع الأمريكي اجتماعياً، وقانونياً كمواطنين أمريكيين، وليس كسود مسلمين! معزولين عن مجتمعهم، ومتجاوزين له. بطريقة اكس يعاد تعريف العلمانية ليس كانفصال عن الدين، أو تحديداً فقط لماهيته، أي الدين في المجتمع، تحت غطاء الدولة، بل كمعرف للدولة نفسها ومؤكداً على علمانيتها. اكس تجاوز الدولة سياسياً، ليعود ليتجذر بها اجتماعياً، وليعطي تعريفاً جديداً للسياسة، يتداخل مع الاجتماعي ويعزز علمانية الدولة، بدل أن يكون عقبة أمام المفهوم وأمام من تكلم باسمهم.

 

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: