الرئيسية / تقارير وتحقيقات / غلال تل أبيض: الحرق أو النهب
غلال تل أبيض: الحرق أو النهب

غلال تل أبيض: الحرق أو النهب

عمر الرقاوي

مع بدء حصاد الموسم الشتوي، يواجه فلاحو ومزارعو منطقة تل أبيض للعام الثاني على التوالي تحديات كبيرة تتعلق بالحرائق اليومية المتنقلة من جانب أول كما بأسعار المحاصيل وآليات وجهات تسويقها من جانب ثان. فالموسمان الوفيران والاستثنائيان خلال العامين ٢٠١٩ و٢٠٢٠ تحولا إلى نقمة على أصحاب الأراضي الذين يجهدون لإنقاذ مصدر رزقهم من إجرام مُشعلي الحرائق ومن جشع المسيطرين المتنفذين.

يعتمد اقتصاد منطقة تل أبيض بشكل كلي على الزراعة. يزرع فلاحوها ثلاثة غلال رئيسة، القمح والشعير للموسم الشتوي والقطن للموسم الصيفي. وكانوا اعتادوا في فترة ما قبل الثورة السورية بيعها إلى مؤسسات الدولة، بوصفها المحتكر الوحيد لعمليات توريد البذور والأسمدة وغيرها من مستلزمات الإنتاج كما مسارات تسويق وتصنيع وإعادة توزيع الغلال والمحاصيل الزراعية، وذلك عبر مؤسستين حكوميتين هما “المؤسسة، ثم لاحقًا الشركة، العامة لخزن وتسويق الحبوب” و”المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان”. وهاتان كانتا تفرضان أسعارًا محددة سلفًا تُعلنها قبل بدء موسم الحصاد أو القطاف.

لكن مع تداعي سيطرة النظام على أجزاء من التراب السوري ابتداءًا بالعام ٢٠١٣ وتداول السيطرة على المناطق بين قوى الأمر الواقع المحلية وداعميها الإقليميين والدوليين، بعد عجز مؤسسات الحكومة عن الاستمرار في تغطية هذه المناطق إداريًا، وقع فلاحوها ومزارعوها تحت رحمة هذه المجموعات الساعية إلى النفوذ والاغتنام دون رادع أو ضابط أخلاقي أو وطني أو حتى عقلاني.

في مناطق الجزيرة السورية، يبدأ موسم حصاد الموسم الشتوي، الشعير تحديدًا، في الثلث الأخير من شهر أيار عادةً بينما تنظر حقول القمح أسبوعين أو ثلاثة بعد هذه التوقيت قبل أن يأتي دورها. إلا أن خوف آلاف الفلاحين والمزارعين من تكرار محنة الموسم السابق دفعتهم إلى التعجيل في الحصاد لتلافي خسارة الموسم الثاني بفعل الحرائق المتعمدة التي طالت آلاف هكتارات القمح والشعير في المحافظات الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، خلال موسم العام الماضي ٢٠١٩.

في هذه الأثناء، وفيما لا تزال سنابل الشعير  خضراء ورطبة نسبيًا بينما السوق والأوراق بدأت تجف، فإن سباقًا قد بدأ منذ الأسبوع الأول من شهر أيار  بين المزارعين والفلاحين من جانب ومُشعلي الحرائق من الجانب الآخر. فاستباقًا للحرائق المتوقعة عمد الفلاحون  إلى مباشرة حصد حقولهم قبل أوانها ثم نشر الحبوب تحت الشمس لتجف قبل خزنها وتسويقها. بالمقابل بدأت موجة جديدة من إشعال الحرائق في عدد من قرى ريف تل أبيض الجنوبي والجنوبي الغربي.

ومنطقة تل أبيض التي تُشكل نصف مساحة محافظة الرقة، البالغة ١٩ ألف كيلومتر مربع، مُقسمة اليوم بين  طرفين ميليشيويين. الجزء الجنوبي من المنطقة، جنوب الطريق السريع الواصل بين حلب والحسكة والمعروف باسم M4، يقع تحت سيطرة مليشيا “قسد”، المُشكلة أساسًا من قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة الكرديتين-وكلاهما تابع لحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي- وهذه الميليشيا مدعومة ومتبناة من قبل التحالف الدولي لمحاربة “داعش”. الجزء الشمالي من المنطقة، شمال الطريق السريع، تسيطر عليه مجموعة من فصائل ما يُسمى “الجيش الوطني”، المنضوية في إطار عملية “نبع السلام”، وأبرزها “أحرار الشرقية” و”الجبهة الشامية”.

الحرائق التي اندلعت خلال الأيام القليلة الماضية تركزت في معظمها  بقرى ريف تل أبيض الجنوبي الغربي، هذه القرى تُشكِّل خط تماس بين المعسكرين ومعظمها خلى من سكانه منذ توقفت الأعمال العسكرية الرئيسية في أواخر شهر تشرين الأول ٢٠١٩، إذ عجزوا عن العودة إليها بفعل القصف المتبادل من حين لآخر وبفعل تحويل بيوت بعضهم إلى مقرات ونقاط مراقبة من قبل قوات أحد الطرفين. يُحمل سكان هذه القرى مسؤولية اندلاع الحرائق لعناصر “بي كي كي الذين يطلقون الرصاص الخطاط من مواقعهم على الحقول القريبة منها بينما تتكفل الرياح الغربية وخوف الناس من الدخول في المساحات الخالية بين الطرفين بامتداد النار نحو الشرق”، حسب ما أفاد أحد الناشطين الإعلاميين، الذي كان يبث بعدها بساعات قليلة على صفحته في الفيسبوك مباشرة وقائع الحريق الذي أتى على محاصيل قريته “مدلج” ليلة أمس الخميس.

سكان هذه القرى يشتكون مر الشكوى أيضًا من غياب المجلس المحلي في تل أبيض عن تقديم الخدمات بصورة عادلة وخاصة غياب فرق الأطفاء، رغم تقدير شائع بين جميع سكان المنطقة بأن موسم الحصاد سيشهد حرائق في أراضي هذه القرى تحديدًا كما كان الحال في الموسم السابق. هؤلاء  كانوا بادروا قبل بدء موسم الحصاد إلى تشكيل شبكة أهلية تحت اسم “بأيدينا نحمي سنابلنا” تتألف من شبان المنطقة وأصحاب الجرارات ومحركات الضخ من أجل التصدي للحرائق، وهم من سارع إلى “الفزعة لإطفاء الحرائق التي اندلعت في قرى “كفيفة” و”الفارس” و”الطربيخ” خلال الأيام القليلة الماضية”، حسب أحد المتطوعين.

لكن ما أن ينجو فلاحو المنطقة بحقولهم من الحرق حتى يصطدمون بعقبة تسويق محاصيلهم. فحى تاريخ تحرير هذه المادة، لم يبد المجلس المحلي في تل أبيض، المرتبط بالدرجة الأولى بالجبهة الشامية والسلطات العسكرية التركية، أي اهتمام بمسائل تسعير المحاصيل أو تسويقها. في حين تنتشر إشاعات أن “الجبهة الشامية”، الفصيل الأكثر نفوذًا في المنطقة، تُهيء لشراء محاصيل الشعير والقمح  بالطريقة ذاتها التي كان استخدمتها “قسد” خلال سنوات سيطرتها على المنطقة. والطريقة تتلخص في شراء جزء من المحصول بشكل مباشر من الفلاحين والمزارعين بسعر يقل عن التسعيرة المعلنة بحوالي ٢٥%، بينما تترك لتجار واجهة فرصة شراء باقي المعروض من المحصول بشرط أن يتم التسويق باسم إحدى الروابط الأهلية الكردية حصرًا مثل أسر “الشهداء” ونازحي عفرين ليحصل التاجر على السعر الرسمي المعلن في مقابل تحويل نسبة مماثلة لهذه الروابط.

لكن يبدو أن أسلوب الجبهة الشامية يعتمد على ترك ساحة شراء محصولي الشعير والقمح للتجار الواجهة الذين تعتمدهم دون تقديم خيار البيع المباشر للفلاحين، إذ يبدو أن المجلس المحلي ومؤسسة الحبوب التابعة للحكومة المؤقتة غائبين كليًا عن المشهد. والعرض الوحيد المتوفر أمام الفلاحين والمزارعين في منطقة تل أبيض اليوم هو تجار يعملون لصالح شركة “السنابل” المُسجلة في تركيا، والمملوكة لأفراد منتسبين إلى الجبهة الشامية. يشتري تجار “السنابل” هؤلاء الطن الواحد من الشعير في حدود ٨٥ ألف ليرة، ما يعادل حوالي ٥٦ دولار إذا حُسب سعر صرف الليرة بـ ١٥٠٠ ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، ثم ينقلونه إلى تركيا ويبيعونه هناك بسعر ١١٠ دولار للطن الواحد، أي الضعف تقريبًا.

شركة “السنابل” تقوم أيضًا بنقل قمح الموسم الماضي المخزن في صوامع المنطقة، التي وضعت يدها عليها بعد عملية “نبع السلام”، ثم تبيعه إلى مطاحن في جرابلس والباب بسعر ١٤٠٠٠٠ ليرة سورية للطن الواحد، حوالي ٩٣ دولار للطن الواحد، محسوبًا وفق سعر الصرف المذكور سابقًا، ولا يرجح أن يكون سعر قمح هذا الموسم أفضل إذا بقيت الأمور على حالها.

تظهر فداحة الخسائر التي تتعرض لها منطقة تل أبيض، إن بفعل الحرائق الناتجة عن الصراع بين الطرفين أو بفعل النهب المنظم الذي تتعرض له غلالها، نهب هو فعليًا سطو مُسلح إذا ما أدركنا أن لا منافذ تجارية واقتصادية لهذه المنطقة إلا مع تركيا وعبر وكلائها من الفصائل العاملة في المنطقة، وإن سعر الطن الواحد من القمح القاسي وصل في شهر نيسان الماضي إلى ٢٣٢ دولار، أي ٣٤٨٠٠٠ ليرة سورية، حسب ما أعلنت منظمة  الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO في موقعها الإلكتروني يوم ١٢ أيار الجاري. يقول أحد مزارعي المنطقة “هذا الموسم، نعتبر أنفسنا رابحين أن بعنا المحصول بسعر التكلفة”.

 

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: