الرئيسية / مقالات رأي / قانون سيزر وانتظار التغيير
قانون سيزر وانتظار التغيير

قانون سيزر وانتظار التغيير

أنس العلي

السابع عشر من (حزيران / يوينو) اليوم ترقّب وانتظار من كل السوريين، ففيه سريان تطبيق قانون سيزر (قيصر) الأمريكي، ما إن دخل الشهر حتى  بدأت الليرة السورية تتهاوى بطريقة متسارعة أضعاف ما كانت تمر به قبل شهور، لذلك لم يعد من المجدي حساب قيمة نسبة خسارة العملة السورية أمام الدولار والعملات الأخرى.

هذا المشهد الاجتماعي الاقتصادي القائم بذاته والمتابع من السوريين في الداخل والخارج بدقة، بُني على قانون أريد له أن يكون أداة رادعة وعقابية على “المجازر السرية للأسد” من خلال خمسة وخمسين ألف صورة  دامغة لا يمكن تزويرها، حسب ما أكد ديفيد كراين المدعي العام السابق  للمحكمة الخاصة بسيراليون، وإن يصار ببشار الأسد كما قدم الرئيس الليبيري تشارلز تايلور لمحكمة لاهاي وحكم بالسجن خمسين عاماً.

يأتي السن الأمريكي للقانون وإطلاقه بمنطلق توصيف المتعاملين والمتعاونين مع نظام الأسد؛  ومن تقع عليه العقوبات ومن يستثنى، فخلق مزاجاً عاماً متضارباً بين السوريين حول جدية ما سوف يحدثه القانون بالنظام ومدى قدرته على التغيير في الواقع السوري المطالب بحرية منذ عشر سنوات.

فالوعي تجاه القانون يجب أن يتماشى مع صوت الشعب الذي يئن تحت أعباء الحياة وشظف العيش في نظرة عامة يصبح بين السوريين نداء مشتركاً، لا يلبث حتى يعود الفرز بالنظرة الحادة نحو الأسد  كونه الفاعل والمتسبب الأول الذي أوصل البلاد إلى هذا الوضع، فمن بالداخل يصمت  كلٌ حسب فكره فالمؤيد مازال يرى الحرب على دولة الممانعة ضد التدخل الدولي، وآخر على الحياد أنهكته الحياة ويفكر كيف يؤمّن خبزه ودواءه إن مكنته الحياة من ذلك. وثالث يعيش الهواجس المتداخلة من كره لنظام الأسد وانتظار لسقوطه وقلة ذات اليد في الغد إن تعدى يومه هذا.

وأما من في الخارج فيعلق آمالاً كبيرة على القانون لإنهاك الأسد حد التخيل بأن الناس سوف يخرجون  شاهرين سيوفهم كما قال أبا ذر الغفاري ” عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج  للناس شاهراً سيفه “.

هذا التوقع جاء جلياً في مدينة السويداء ليحدث اهتزازاً في الترقب السوري  وخلافاً في الرأي العام ، بين فكرة الجوع الذي يخرج الناس من بيوتها أم الكرامة والحرية، وهذه المقاربة زالت سريعاً فشعارات السويداء كانت موجهة نحو رأس النظام ، وتعامل معها بطريقته المعتادة اعتقالات ومسيرات مؤدية.

بالمقابل هناك من يحاول التقليل من الأهمية العملياتية للقانون من خلال التجارب القريبة  في صياغة نظام العقوبات الاقتصادية على بعض الدول وأقربها زمنياً وجغرافياً لسوريا ما تم على العراق في بين عامي “1991-2003″ .

فالعقوبات لم تأت بغير العزل لنظام صدام حسين وبمعاناة وقعت على رأس العراقيين ، رغم  أن المواد الأساسية كانت تأتي ضمن  صفقة مبادلة النفط مقابل الغذاء.

ولم تُحدث الفارق المطلوب في انتفاضة  توقعها فارضو العقوبات كأحد سيناريوهات التخلص  من نظام معزول، لأن الشعب منهك من تفاصيل الحروب المتلاحقة ومن فرط التوحش الذي يمكن أن تمارسه الأجهزة البعثية العراقية عليه.

المتتبع لسيرورة حياة نظام الأسد يدرك كيف اعتمد كل أساليب التزييف والمراوغة ، في كل مأزق يوضع به ويسخّر آلته الإعلامية وأدواته الاجتماعية للدفاع عن نفسه ليظهر حسب مقتضيات الوضع في دور البطل صانع الانتصارات مرة ، وأخرى في دور المستهدف المحَارَب،  ويُحسن من جعل المواطن دريئته التي يصوب عليها، فتصريح المستشارة  بثينة شعبان لصحيفة الوطن الموالية لا يخرج عن السياق المعتاد بقصة سوريا الركيزة الأولى للمقاومة والمؤامرة القائمة عليها وتطلب من المواطنين الصبر .

وهذا الأمر ليس بغريب على حكومة ترى في شعبها المتنفض مجرمين وقامت بتصفية الآلاف  منهم داخل المعتقلات ، ليكون الجوع سلاحا آخر للقتل؛ يحاول أن يستخدمه نظام الأسد كدليل على براءته من دم يوسف ، بدعوى أن أمريكا العدو المتربص به وبشعبه منذ عقود.

بالنظر لخريطة سيطرة النظام على مناطق مصادر الدخل ودعم احتياجات حياته فهي متوزعة بين الشمال حيث المعابر والشرق حيث  النفط و الزراعات الاستراتيجية وهما خارج سيطرته منذ سنوات ، هذا يجعله في ضرورة للبحث عن طرق مختلفة  للتعامل غير المباشر التي كان يقوم به  عبر وسطائه مع سلطات الأمر الواقع سابقاً.

وهنا أيضاً آراء غير متوافقة .. هل هذا يدخل في صلب القانون أم يستثنى؟ كونه عمليات داخلية حيث كان التهريب مسموحاً سابقاً وتحت نظر الأمريكان .

فأمريكا لن تتدخل بشكل جدي لمنع هذه التجارة علماً  أنها حاولت أن تمنع تهريب النفط  من دير الزور إلى مناطق النظام وتركت المحاولة بعد أن عاقبت الوسطاء من ناقلي النفط ” القاطرجي إخوان” ، هذا يرجح  أن تزداد التجارة لأن النظام سيكون مضطراً للاعتماد على مناطق خارج سيطرته وغير مستهدفة بقانون سيزر .

وعلى الصعيد الإقليمي سوف يتركز بشكل واضح على أربع  دول هي داعمة للنظام  تبدأ من الجارة لبنان ممثلة بحزب الله وخطوط تهريبه وإيران وروسيا  والإمارات ، وقد يتعداه الوضع إلى دول قد تساعد حكومة الأسد في عزلتها .

رُصدت أسماء جديدة  في لبنان لتوضع على  لوائح العقوبات وهم التجار المقربون من  حزب الله وسطاء التجارة بين سوريا ولبنان، ويتوقع أنه سيفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

أما  إيران العائدة للعقوبات حديثاً منذ خروج أمريكا من الاتفاق النووي معها، سيكون قطاع النقل والطيران، أكثر القطاعات تتبعاً لإضعاف التواجد الإيراني في سوريا .

فروسيا  استبقت  القانون كي لا يكبلها ، وعمدت لنقل بعض المنشآت الحكومية  السورية تحت تصرفها بعقود طويلة الأجل وليكون أيضاً ضمن استيفاء ديونها المتراكمة على النظام .

يبقى الطرف الرابع  الإمارات التي يوجد فيها الكثير من رؤوس الأموال والحسابات البنكية  المقربة من الأسد والخاضعة للعقوبات الأمريكية  وأعيد التأكيد على تجميدها حسب  سيزر.

يجمع  خبراء اقتصاديون  إقلميون ودوليون على أن ما رسمته المراقبة الأمريكية  الدقيقة  بين صدور القانون وتطبيقه هو ما سيحقق النجاح المطلوب.

كل هذه الخطوط الأفقية التي يحاول القانون تفعيلها للتغيير في سياسات نظام بشار الأسد تجاه شعبه سوف تبقى عوامل فكفكة للبنية الصلبة وتحويل الحكومة إلى وسطاء ، ولكن دون تبيان متى يكون نهاية نظام الأسد.

 

كاتب وباحث سوري مقيم في فرنسا

 

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: