قصة الشطرنج.. من لعبة للملوك إلى منافسات للعباقرة

الشطرنج، اللعبة التي توصف بأنها “لعبة الملوك”، والمعروف عنها بأنها منافسة بين لاعبَين ولكنها في حقيقة الأمر عبارة عن تكتيكات وخطط ومعارك استراتيجية حامية الوطيس تدور رحاها على رقعة مربعة تضمّ 64 مربعاً صغيراً. وعلى الرغم من شراسة وضراوة القتال على ميادينها إلا أنها لا تشهد سقوط قتلى أو جرحى، أو سيلان دماء، أو إحداث خراب وتدمير.

يمارس هذه اللعبة ويستمتع بها ملايين البشر من مختلف الجنسيات والفئات المجتمعية؛ هواة ومحترفون، صغار وكبار، رجال ونساء. حيث يقدّر عدد ممارسي الشطرنج حول العالم بانتظام، وفي أوقات الفراغ وخلال الحياة اليومية، بأكثر من 650 مليون شخص.

أصل الشطرنج ونشأته التاريخية

غاب تاريخ لعبة الشطرنج الحقيقي في ظلمات الزمن والتاريخ، وكانت هذه اللعبة موضوع العديد من الفرضيات المرتبطة بأساطير وخرافات لا أدلة دقيقة على صحتها، ولم يستطع المؤرخون إيجاد ما يثبت أصلها أو مكان نشأتها. غير أن الشطرنج بهيئته البدائية يمكن تتبع تاريخه إلى ما قبل نحو 1500 سنة، أي إلى القرن السادس الميلادي. ويرجّح معظم المؤرخين أن يعود أصل الشطرنج إلى الهند، وقلة منهم يُرجِع أصله إلى الصين.

عموماً، وعلى الرغم من عدم التأكد القطعي في مرجعية أصل اللعبة إلى دولة أو مملكة معيّنة، إلا أن غالبية الآراء تجمع على مصدرها الهندي، خصوصاً وأن كلمة “شطرنج” العربية مشتقة من (شطرنجا) الهندية، وهي عبارة عن مقطعين: (chatur) ومعناها أربعة، و(anga) ومعناها جزء من الجيش، فيكون معناها “أجزاء الجيش الأربعة”. ومن الهند انتشر الشطرنج ليصل إلى الصين وبلاد فارس، ثم شهد تغيرات طفيفة في طريقة نقلات قطعه ليُعرف باسم الشطرنج القديم هناك، وبعد الفتح الإسلامي لفارس انتقلت هذه النسخة إلى العالم الإسلامي والعربي وعرفت انتشاراً وازدهاراً كبيرين حيث أعجب به ولعبه الخلفاء أمثال هارون الرشيد وابنه المأمون ونبغ فيه العديد من الشخصيات المشهورة أمثال العدلي والصولي والرازي واللجلاج وكانوا أول من ألف كتاباً كاملاً عن الشطرنج.

بعد فتح الأندلس انتشر الشطرنج القديم في إسبانيا ومنه إلى أوروبا حيث لعبه الملوك أمثال نابليون بونابرت.

روايات ابتكار الشطرنج

تحكي إحدى الروايات المرتبطة بابتكار الشطرنج، أن ملكاً طلب من وزيره اختراع لعبة تعتمد على الحظ، فغاب الوزير فترة من الوقت ثم عاد إلى الملك بلعبة الزهر (النرد). بعد مدة قصيرة من الزمن، مات الملك وخلفه آخر لا يؤمن بالحظ، فطلب من نفس الوزير اختراع لعبة تعبر عن حرية اختيار الفرد في اتخاذ قراراته وتحمله مسؤولية عواقبها، وذلك بهدف تعليم شعبه أن كل شخص حر في تصرفه ومسؤول عن اتخاذه لأي قرار. ذهب الوزير ثم عاد حاملاً لعبة الشطرنج بقوانينها وترتيبها المنطقي والحسابي، وتراكيب منطقية تعتمد على اللاعب نفسه، فأعجب بها الملك وكافأ وزيره مُكافأة كبيرة.

تفيد رواية أخرى أن وزيراً هندياً اسمه “صه بن داهر” أو (سيتا) اخترع لعبة الشطرنج لإسعاد الملك والتقرب منه أكثر، فبعد أن ابتكرها أهداها إلى الملك وطلب منه مكافأة عليها، وهي أن يعطيه مقداراً من القمح، يوازي ناتج ما يصدر عن عملية وضع حبة “قمح” في كل مربع من رقعة الشطرنج، ثم مضاعفة العدد في المربع التالي، وبالتوالي على كافة مربعات الرقعة الـ 64.

ظن الملك أن الطلب سهل التحقيق، وطلب من المستشارين القيام بهذه المهمة إلا أنهم تأخروا في الرد، وبعد أيام عادوا إلى الملك ليخبروه أن عملية الحساب معقدة والناتج كبير جداً، وتنفيذ الطلب يحتاج كميات كبيرة من القمح تغطي مساحة “الهند” وتزيد! فحظي هذا الأمر بكثير من الإعجاب لدى الملك ومنحه جائزة كبيرة تقديراً لذكائه واختراعه اللعبة.

الشطرنج.. ذكاء وتكتيك وخطط واستراتيجيات

على خلاف ما يظنّه بعض الناس، لا يعتمد الشطرنج على الحظ ولا يقترن به مطلقاً؛ بل أن الحركات فيه مبنية بشكل رئيس على التفكير والتكتيك ووضع الخطط الاستراتيجية المرسومة في ذهن ممارسيها للوصول إلى تحقيق الأهداف بأقصر واقرب الآجال. فاللعبة معقدة جداً لدرجة أن أكثر اللاعبين خبرة ومهارة وحنكة لا يستطيعون توقع ومعرفة كافّة الحركات الممكن أن يقوم بها الخصم على ميدان الرقعة. فعلى الرغم من احتواء الرقعة على 64 مربعاً و32 قطعة فقط (لكل طرف 16)، ولكن عدد الخطط التي يمكن تطبيقها عملياً يتجاوز كل ما هو متصور.

كما لا ينظر إلى الشطرنج على أنه لعبة مسلية أو مضيعة للوقت، بل هي مزيجٌ فني وعلمي ورياضي ذهني، يعتمد على الذكاء وشحذ القدرات العقلية، ناهيك عن أن اللعبة تخطّت اليوم المنافسات والبطولات المحلية والعالمية الواقعية المباشرة، إلى تنظيمها افتراضياً عبر شبكة الإنترنت.

المنافسات والبطولات العالمية في الشطرنج

كما أشرنا، تعتمد اللعبة على مهارات وقدرات خيالية من التفكير الخاص والعميق لممارس اللعبة. ويتوجب على اللاعب المنافس في البطولات؛ اللعب تحت ضغط الوقت، والمواقف المعقّدة الناتجة عن حجم وكمية التفريعات والحركات المحتملة من الخصم، إلى جانب العوامل النفسية والظروف المحيطة باللاعبين المتنافسين أثناء المبارايات.

الرقعة والأحجار

تجري منافسات الشطرنج على رقعة مربعة الشكل أبعادها 8X8 مربعات وتحوي ثمانية صفوف يرمز إليها بأرقام من 1 إلى 8، وثمانية أعمدة يرمز إليها بحروف لاتينية من A إلى H، وبذلك فهي مكونة من 64 مربعاً تتناوب في لونها بين الأبيض والأسود، ويتم وضع الرقعة في بداية اللعب بحيث تكون الزاوية البيضاء على يمين كل لاعب.

ويتم بالاتفاق تقسيم قطع اللعبة البيضاء والسوداء بين اللاعبَين اللذين يشار إليهما بـ اللاعب الأبيض واللاعب الأسود تبعاً للون القطع، وتتألف القطع الـ16 لكل لاعب من: ملك واحد، ملكة واحدة (أو وزير في بعض المجتمعات)، قلعتان (رخّان)، حصانان، فيلان، وثمانية بيادق (جنود) حيث يتم ترتيبها بالطريقة الموضحة في الصورة المرفقة. ولكي يكون الصفّ صحيحاً يجب أن توضع كل ملكة (وزير) في مربع من نفس لونها: الملكة البيضاء على مربع أبيض والسوداء على مربع أسود.

شطرنج.png
ترتيب الأحجار والأرقام والحروف على رقعة الشطرنج

وتنقسم بطولات ومسابقات الشطرنج بحسب الوقت المستخدم فى لعب المباراة، سواء كان وقتاً طويلاً يستغرق ساعات أو قصيراً لبضعة دقائق:

  • بطولات الشطرنج الكلاسيكية: من أهم أنواع البطولات المعترف بها عالمياً، وهي تدل على قوة خطط اللاعب، ومدى سرعته، وتفوقه في ممارسة اللعبة. وغالباً ما تتخطى المباراة الساعة من الزمن، ويُمنح فيها بين 60-180 دقيقة لكل لاعب، ويشترط فيها تسجيل النقلات.
  • بطولات الشطرنج السريعة أو (الرابيد rapid): يتاح لكل لاعب 10-60 دقيقة، وأحيانًا مع زيادة صغيرة في الوقت لكل الخطوة (على سبيل المثال 10 ثانية).
  • بطولات الشطرنج الخاطفة أو (البليتز blitz): يتاح لكل لاعب 10 دقائق أو أقل. بنهاية الوقت يحدث الموت المفاجئ عادة -ولا زيادة في الوقت- ولكن يمكن أيضاً أن تلعب بزيادة صغيرة. وفي الآونة الأخيرة، وبسبب سرعة الساعات الرقمية، يفضل إضافة ثلاث دقائق وثانيتين.
  • بطولات “الطلقة” أو (Bullet): ويتاح فيها لكل لاعب 1-3 دقائق. وقياس الزمن لهذه اللعبة هو دقيقتان مع ثانية واحدة زيادة أو دقيقة واحدة مع زيادة ثانيتين. وقد يطلق عليها أيضاً اسم “البرق” أو (Lightning) وهي لعبة سريعة للغاية، ويمكن أيضاً أن تُطلق على ألعاب بوقت محدد (على سبيل المثال عشر ثوان) لكل خطوة، وعلى ألعاب الدقيقة الواحدة.
  • أرمجدون (Armageddon): لعبة تضمن الحصول على نتيجة، لأن الحجر الأسود لديه تعادل غريب -التعادل بالنسبة للأسود يساوي النصر- ولتعويض ذلك فإن للأبيض مزيداً من الوقت في الساعة. الأزمنة الشائعة هي ست دقائق للأبيض وخمس للأسود، أو خمس دقائق للأبيض وأربع للأسود. هذا ويمكن أيضًا أن تلعب بزيادة صغيرة أيضاً.

أشهر أبطال العالم الكلاسيكية للشطرنج

بدأ الخط الكلاسيكي لأبطال الشطرنج العالميين بهزيمة” فيلهلم شتاينتز” على يد “ليوهانس زوكورت” في المباراة التي أقيمت عام 1886. منذ ذلك الوقت، جرت منافسة بطولة العالم في مباراة بين البطل حامل اللقب والمتنافس، وفيما يلي أبطال العالم منذ أن أقرت هذه البطولة في عام 1886:

  • فيلهلم شتاينتز (1886-1894)
  • إيمانويل لاسكر (1894-1921)
  • خوسيه راؤول كابابلانكا (1921-1927)
  • ألكسندر ألكين (1927-1935 ، 1937-1946)
  • ماكس إيوي (1935-1937)
  • ميخائيل بوتفنيك (1948-1957 ، 1958-1960 ، 1961-1963)
  • فاسيلي سميسلوف (1957-1958)
  • ميخائيل تال (1960-1961)
  • تيغران بيتروسيان (1963-1969)
  • بوريس سباسكي (1969-1972)
  • روبرت جيمس “بوبي” فيشر (1972-1975)
  • اناتولي كاربوف (1975-1985)
  • غاري كاسباروف (1985-2000)
  • فلاديمير كرامنيك (2000-2007)
  • فيسواناثان أناند (2007-2013)
  • ماجنوس كارلسن (2013- حتى اليوم)

خطة نابليون

خطط حركات الشطرنج التي يسعى اللاعب للفوز في مبارياتها، لا تعدّ ولا تحصى. إلا أن من أكثر الخطط شهرة هي خطة نابليون التي تعدّ أسرع وأول عملية لـ كشّ الملك (كِش مات) قد يصادفها لاعب الشطرنج، حيث يتم فيها استغلال الضعف في الخانة f7 والتي يحرسها الملك فقط في بداية اللعب والهجوم عليها بالوزير والفيل عبر النقلات الموضحة في المقطع:

ويمكن أن تُلعب النقلات على ترتيب مختلف قليـلا أو تفرع مختلف قليلا لكن الفكرة الأساسية تبقى نفسهـا وهي أن تقوم الملكة والفيل بـ كش مـات في f7 ( أو f2 إن كان الأسود من يقوم بالمات)

وسميت خطة أو افتتاحية نابليون، نسبة للجنرال والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، الذي كان يحب الشطرنج بقوة، بالرغم من أنه كان لاعباً متوسط المهارة بحسب ما ذُكر عنه. وأفادت منشورات في منتصف القرن التاسع عشر بأن نابليون لعب هذه الافتتاحية في لعبة أمام أحد اللاعبين المشهورين في عام 1899.

(كاسباروف ضد توبالوف) مباراة الشطرنج الخالدة

عام 1990، التقى كاسباروف بطل العالم المطلق آنذاك باللاعب البلغاري فيسيلين توبالوف، أحد أفضل لاعبي الشطرنج والذي سيحتل صدارة التصنيف العالمي في عام 2005 ولمدة 27 شهرًا، في مباراة صنفت على أنها من أفضل عشر مباريات في تاريخ اللعبة.

بدأت المباراة بداية عادية مع تحريك القطع وتطوير أماكنها للسيطرة على منتصف الرقعة، بعد أن خسر كلا اللاعبين حصاناً واحداً، وكان الأمر تعادلاً وتكافؤاً في السيطرة حتى هذه اللحظة التي أقدم فيها كاسباروف في النقلة الرابعة والعشرين على تضحية مجنونة بقلعة مقابل بيدق واحد فقط.

عرف توبالوف حينها أن كاسباروف لن يضحي بقلعته بهذه السهولة إلا إذا كان وراء ذلك فخاً ما. لذلك، حلل فيسيلين اللعبة ووجد أنه ولتسع حركات كاملة للأمام بكل احتمالاتهم لا يوجد أي خطر عليه، فأكل القلعة التي كانت بمثابة هدية مجانية مجنونة من كاسباروف ستكلفه المباراة فيما بعد بحسب رأي توبالوف.

ويجمع خبراء اللعبة على أن ما فعله كاسباروف حينها كان إعجازياً، فتوبالوف قام بتحليل 9 نقلات للأمام وهو عدد كفيل بتأمين أي لاعب، لكنه كان يواجه كاسباروف الذي حلل خمس عشرة نقلة للأمام، وهو رقم مبهر ولا يمكن تخيله لبشر عادي، وعندما أيقن كاسباروف أن تضحيته ستؤتي ثمارها بعد خمس عشرة نقلة فعلها، وكان كل ما ينتظره هو أن يلتهم توبالوف الطعم الذي لم يتصور أن هناك عقلًا يحلل هذا الكم من الخطوات للأمام.

في نهاية المباراة وصف توبالوف ما حدث بأنه كان خارج نطاق تصوراته، وأنه لم يحلل إلا تسع حركات وظن أنه لا يوجد بشري يستطيع تجاوز هذا الرقم.

فايز الأسمر – تلفزيون سوريا

اترك رد

Translate »