الرئيسية / مقالات رأي / حادثة (كربلاء) كأسطورة نموذجية
حادثة (كربلاء) كأسطورة نموذجية

حادثة (كربلاء) كأسطورة نموذجية

معبد الحسون

كثيرة هي الأساطير التي تتصل جزئياً أو كلياً، بحادثة أو حوادث تاريخية صغيرة. أحياناً قد تكون حقيقة تاريخية لا مراء في حدوثها وفق نحوٍ ما. وفي بعض الأحيان قد تكون حادثة، أو أحداثاً سطحية وقشورية الأهمية والدالة المستخلصة منها. فقط يُشترط في تلك الحادثة التاريخية الصغيرة، أن تكون قد خلَّفت انفعالاً جماعياً، واسترجاعاً استدلالياً لرغبة نفسية كامنة ومكبوتة، وأثارت شعوراً، أو لا شعوراً، هو في الأصل كان محاكاة جدلية ثاوية في أعماق الأنفس البشرية، سرعان ما تنفجر على إثر مشهد، أو مجموعة مشاهد، أو أحداث بعينها، محكية عرضاً أو مسرودة، أو متناقلة عبر صحف أو أشعار أو صور أو تماثيل. وكذلك سرعان ما تتشارك الاستجابة الرضّية في البناء عليها، مشاركة مع كل تلك الأنفس المجموعية، مثل أية رضَّة، أو صدمة عامة، تُثَبِّتُ ـ أو تنزع ـ محض رغبات دفينة، محببة أو كريهة، قائمة قبلها منذ سنين طويلة. فالرضَّات النفسية؛ إما أن “تزيل” شيئاً كريهاً عالقاً في قاع النفس، أو “تثبته” وترسخه لآجال غير معلومة.

تحدث نوع من العناية الجماعية والحفاوة الطقوسية، في تلقف الحادثة وتبنيها كمنجز تاريخي، حدث وشوهد رأيَ العين، وسُمِع ملءَ الأذن. ولم يبقَ إلا عزله وفصله عن القالب الرمزي الكامن مسبقاً في قاع النفس البشرية، والذي تكيف مع الحادثة وتشبعها. ليتمَّ فصل الحادث التاريخي الأصلي إذن، حيث لم يبقَ له إلا أن يُشَيَّعَ ويُدفَنَ، ثم يتلاشى وينسى خلال أيام أو أسابيع، شأنه شأن أي جدارة حادث تاريخي آخر، يجري عرضاً، وتقع فصوله في الحياة المتسعة لسلسلة من ملايين الأحداث المتوالية المتعاقبة. هذه التشاركية الوليدة بين الحادث الصغير، ومرموزاته المتمكنة والتواقة في قاع النفس الإنسانية، هي ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحاً: (ولادة أسطورة). فالحادث التاريخي شيء، والأسطورة شيء آخر. إنهما متخالفان في تاريخ الولادة ومكان المنشأ وعمق العاطفة ودلالة الحدث ومسؤولياته. ومتوافقان في كونهما تَخَلَّقا من صورة واحدة لها مظهران: “النيغاتيف” كمرحلة أولى، والملونة كمرحلة وطبعة ثانية.

بالطبع أنا أتحدث عن كثير من الأساطير التي عشقتها الإنسانية، منذ فجر تاريخها حتى اليوم، وتدربت كيف تمتلك نسخة عرضية لحادث مُعين في يوميات التاريخ، أو طبعة حقيقية غير ذات أثر إلا في محيطها البشري والجغرافي الأكثر محدودية، والتي قد لا تجاوزه في الأحوال العادية. ثم يطوى الحادث الأصلي بفعل التقادم والنسيان وعدم الاكتراث به،  كقانون طبيعي صارم، خلال أيام أو أشهر أو سنين معدودة. ولن أتعرض للأسطورة في صيغتها الوهمية والخرافية، المُخَلَّقة من خيال أدبي جامح، أو تَمَحُّل تصوري إنساني محض. أو مأثور متداول ومتنقل بين المجتمعات والأماكن والأزمنة، فذلك وجه آخر للأسطورة يختلف عن موضوعنا قيد البحث. ولسوف أتناول كنموذج مثالي لولادة أسطورة نموذجية، (حادثة كربلاء) ومقتل الحسين بن علي.

بات معلوماً وغير مجادل فيه اليوم، أن الشيعة لم يكترثوا مطلقاً بتتبع صحيح الأخبار المنقولة. ولم يحفلوا يوماً بعلوم النقل والتثبت من صحة الخبر ودرجته، بنفس درجة الحفاوة والاهتمام عند رواة السُّنة. هذه حقيقة حتى الشيعة أنفسهم يقرونها. فالخبر مرجعية صدقه، لا تعود كما هو الحال عند السُّنة، إلى علم الجرح والتعديل، أو علم الرجال، وطبقات الروايات وصحة الأسانيد، وإنما مناط صدقه وصحته هو أنه رواية سُمعت أو نقلت عن “صادق أو صادقين” من أهل البيت، أو ولاتهم أو أشياعهم المقربين. وهذا بحد ذاته هو كفاية الصحة في النقل وفي ثبوت الحدوث. وكذلك بات معلوماً اليوم، أن معظم الروايات المتداولة بين أيدي الشيعة اليوم، قد تم تسنيدها، والفراغ من مناقشة صحتها، بعد نسبتها إلى الإمام (أبي عبد الله جعفر الصادق بن علي زين العابدين)،  بدرجة أولى. فهو حفيد الحسين الأعلم، وإمام الشيعة الأول على مدى الأزمنة، ومرجعية رواياته هي المرجعية التي لا تحوج الباحث إلى التقصي والتحقق. كما تم إسناد بقية الروايات والمقولات إلى بقية الأئمة بدرجة ثانية.

هنالك أيضاً ما هو أكثر أهمية ومصداقية لدى الروايات الشيعية، وهو أن تتضافر الروايتان؛ السُّنية والشيعية، في توثيق الخبر الواحد، أو الحديث أو الحكم الشرعي الواحد. هذا التضافر والتوافق فيما بين المختلِفَين المتنابذين، يرفع درجة الصحة ومعيار الحقيقة، إلى حدِ المطلق الذي لم يعد بحاجة إلى التثبت، من حيث درجة قطعية ثبوته، فكيف إذا كانت حادثة مقتل الحسين في واقعة كربلاء، هي إحدى أبرز المنقولات والمرويات السُّنية، وعن طريق تلك المصادر (التي لا تحتمل الدحض أو الشك)، فيما يؤخذ ويستشهد به ويروى. أما حين يكون الراوي هو أبو جعفر الطبري نفسه، شيخ المؤرخين والتاريخيين السُّنة الأول وإمامهم، وعنه إنما أخذ وروى جميع المتأخرين بعده، والكبار المعدودين في الصف الأول من كتاب التاريخ الرسمي، في الحضارة العربية الإسلامية؛ (تاريخ الأمم والملوك)، خاصة البغدادي صاحب (تاريخ بغداد)، وابن الأثير في (الكامل في التاريخ)، و(كتاب العِبر)، تاريخ ابن خلدون الشهير.. وغيره..

ولد الطبري سنة 224 هـ، وتوفي سنة 310 هـ. فولادته في الربع الأول من القرن الثالث الهجري، ووفاته مطلع القرن الرابع الهجري. وإذا افترضنا أنه قد شرع في تدوين مدونته التاريخية الكبرى مطلع شبابه لا أكثر، أي بعد ست وعشرين من عمره، فهذا يعني أن الفاصل الزمني، بين مؤلف تاريخ الأمم والملوك، وبين كربلاء، يفصل بينهما قريباً من قرنين، أو 190 عاماً في الحد الأقرب، بينما يعود تاريخ حادث كربلاء إلى عام 61 هـ.

وإذا علمنا أكثر، أن الطبري قد أفاض في أدق تفاصيل المجزرة أو المعركة، (كذلك الأمر بالنسبة لابن الأثير، فقد أغرق في التفاصيل الدقيقة ربما مثله أو أكثر منه) كمن كان يحمل كاميرا تصوير دقيقة الأبعاد، ليتوسع في وصف أعداد الجيشين، جيش الأمويين وجيش الحسين المحدود. وتفاصيل اللباس والطعام في العسكرين. وكم كانت المسافة الفاصلة بين قتيل وقتيل، وبين شهيد من آل البيت وشهيد آخر، وماذا قال فلان قبل المعركة، وبماذا همس فلان قبل أن تفيض روحه، وشكل الخيام والأمتعة، وحركات الفرسان والخيل والجمال. كل ذلك الوصف الذي أتى عليه الطبري وصفاً دقيقاً، حتى حركات يد المقاتلين وأجسادهم وكلماتهم؛ وصفاً شمل كل لحظة، ولم يترك شاردة ولا واردة لم يذكرها.

كل ذلك الوصف حدث وسط الغبار والنار والصراخ والعويل والدماء التي كانت تهرق آنئذ. وغير ذلك من أدق التفاصيل المسرودة في الرواية، التي جاوزت كثيراً من أعداد الصفحات في مؤلفَي الطبري وابن الأثير؛ يحق لنا بعد كل هذا، أن نتساءل: من أين استقى الطبري كل تلك التفاصيل الدقيقة، التي أفاض فيها في وصف الأسطورة، حتى أصبحت مرويته عنها، هي المرجع الوثيق والرئيسي، لا بالنسبة للسُّنة فحسب، وإنما للشيعة أيضاً، بشكل رئيسي؟

الجواب على السؤال هو أن المصدر ـ ربما الوحيد ـ الذي استقى منه الطبري، هو رواية مؤرخ شيعي اسمه “أبو مخنف”. توفي أبو مخنف في العراق سنة 157 هـ. أي بعد حادثة كربلاء بـ 96 سنة. ولعله المصدر الوحيد، الذي أهدى السُّنة والشيعة على حد سواء، هديته التي اقتسموها، وتوازعوها، وأعادوا بناءها مرات، ثم أضافوا وأنقصوا، حتى خرج العمل الفني البارع، يضاهي أروع الأعمال التراجيدية لدى اليونان والرومان. وفي مرويات العهدين القديم والحديث. بل وحتى في العصور الوسطى وعصر النهضة والفترة الحديثة. فهي أسطورة توازي أثراً ـ وأحياناً تبزُّ ـ أعمال هوميروس وسوفوكليس، وتزاحم تراجيديا شكسبير، وتنافس غوته ودانتي.

ولكن يبقى السؤال: لماذا كانت حادثة كربلاء مأثوراً محبباً، وسردية لا يُمَلُّ منها، عبر الأجيال والقرون المتعاقبة، وشجرة باسقة أثمرت أدباً وقصصاً شعبياً سارياً، وديناً وطقساً وتشريعاً، وحكمة ورواية شعبية خالدة عبر أجيال متوارثة؟

أثبت الظن، أنها السردية التي تجمع مجمل حكمة الأساطير الشرقية القديمة، والتي يسميها علماء الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ القديم (عودة الابن الأصغر)، أو يجمعون عدداً كبيراً من تلك الأساطير، التي تتقاطع فيها فكرة الخلاص وحكمة العدالة الإلهية النهائية، بانتصار الابن الوحيد أحياناً، أو الابن الأصغر أحياناً أخرى، وذلك بعد موته أو غيابه أو اختفائه، وتتقاطع معها. فهي تكاد تكون قالباً سردياً لحكايا واحدة متنوعة التفاصيل والأحداث، ولكنها تتفرع من مضمون واحد:

الابن الأصغر يمثل جمال الطبيعة والكون. وهو من صدارة بيت المُلْك الشرعي الذي اختُطِفَ من قبل آخرين، وهو غني ثري، لكن ظروف نشأته وطفولته قد ألزمته العيش في فقر وضنك ومعاناة نتيجة البعد. وهو انعكاس أمثل لصورة الله الخالق. وهو مظلوم تم التآمر عليه، أو غُدِر به بطريقة من الطرق. وأحياناً يتمُّ الغدر به، إما من جهة أناس أشرار (كيسوع واليهود، وموسى وفرعون)، أو امرأة خائنة وغيورة وذات مكر، (مثل يحي وسالومي، أو ايزيس وأوزوريس وحورس)، أو تمَّ الغدر به من قريب في النسب، شرير وغيور وحاقد ـ كالأم أو الأب أو الأخ ـ (قابيل وهابيل، ويوسف وأخوته، وأوديب وأبيه الملك).

وإذا أردنا أن نحصي المتماثلات السردية، التي نَمَّطَت نفس القصة، في قصص قريبة متشابهة لدى جميع الحضارات الإنسانية القديمة، ربما نعثر على أكثر من ثلاثين أو أربعين قصة، أو طبعة مماثلة، تكاد تكون هي القصة نفسها، ولكن باختلاف التفاصيل، وواحدية المضمون؛ الا وهي حكاية الابن الأصغر، الشجاع والجريء والمطلق في براءته وصدقه، والمطلق في مطالبته للحق المهدور، (ولبيت الملك الشرعي)، والمختطف أو المغدور من الأشرار، مع وعد بعودته الثانية، ورجوعه بعد غياب، لفترة غير محددة، تنتهي بانتصار الخير على الشر، بعد طول انتظار لتلك العودة المترقبة والمتوقعة.

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: