الرئيسية / دراسات / إدارة التوحش بين الإيديولوجيا والتطبيق (2-2)
إدارة التوحش بين الإيديولوجيا والتطبيق (2-2)

إدارة التوحش بين الإيديولوجيا والتطبيق (2-2)

معبد الحسون

منذ البداية علينا أن نؤكد بأن ثنائية النور والظلام، والخير والشر، والله والشيطان، كانت حاضرة فيما يشبه الثبات في ذهنيات الشعوب القديمة، وأن هذه الثنائيات قد تطورت عبر قرون مديدة، حتى حل محلها ثنائيات أخرى مكرورة ومتبدلة أيضاً، وفي كل الحالات كانت تلعب الثنائيات دور التجلية والتظهير لفحوى الحضارات ومضامينها العميقة، وذلك لجدليتها وإشكالياتها في العقل البشري. إذ لا تكاد تعرف الإنسانية عصراً من العصور ليس له ثنائياته الخاصة به، وليس قرننا هذا الذي نحيا فيه استثناءً، رغم أن التطور والترقي العلمي والمعرفي السريع، الذي شهدته البشرية خلال القرن أو النصف قرن الماضي، كاد أن يطيح بتلك الثنائيات، وأن يقلص استعمالاتها المعرفية، وذلك لأن صورة العالم باتت متشابكة التعقيد، لا تعرف الأشياءُ فيه مضامينَها بأضدادها غالباً، ففي الذهنية العامة اليوم، لم تعد الإشتراكية عادلة والرأسمالية متوحشة، كما كانت عليه الصورة الثنائية في الماضي، وكما صادف استقرارُها الأخير، ولو من المنظور اليساري على الأقل، وذاك حين نتخيل العالم وهو يرى بنظّارة ماركسية كلاسيكية.

تراجع كثيراً دور تلك الثنائيات القديمة، التي انطمرت في بطون التاريخ مع أساطيره وأمنياته الجميلة، وخياله العميق والمتمني، ومثل انسداد الآفاق التي يمكنها ان تفتح نوافذ مغلقة في وجه التطور الرأسمالي الحديث والمتسارع، واشتباك العلاقات الدولية في شباك خيوط العولمة، التي قلبت عالم الأمس البسيط والمحدد، أمام نوافذ المعقد واللامحدود، كذلك فإن سلم القيم والتصورات القديمة، التي كانت تفسرها وتبررها منظومات فكر الماضي وتصوراته المتخيلة، باتت على خطر عظيم من ذلك “الانهيار” الذي اشتمله عالم اليوم، من منظور الدول القوية والاقتصاديات القوية، وحجم الرأسمال الصاعد والمتحكم بمعظم مقدرات هذا الكوكب وسكانه.

كان لابد إذن من إنجاز خطوة اضطرارية إلى الوراء، لاستعارة ذلك الثنائي الذي بات شيئاً يُصنف في باب الحنين إلى الماضي؛ في دوائر عدم إمكان عودته كما كان، وفي بواطن غير المحتملات، في مستواه الواقعي والتنفيذي، لا عقلاً ولا واقعاً. فالخطوة القادمة التي لا مشاحة عنها، كانت سوف تُعَرِّف عن ذاتها بدلالات المسيح المنتظر، وعلى أيدي المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وغيرها، وبتشجيع وحماس من شركاء؛ بعضهم لهم حصة في الشراكات العالمية العابرة في القارات، وبعضهم الآخر كانت له مآرب أخرى من ظهور صناعة الميسانية الجديدة، وظهور المنتظرين والمهديين، أو التعجيل بظهورهم الافتراضي، عبر إغراق الأرض بالشر الذي لابد منه.

من هذا، لم تكن صناعة داعش، وإدارات التوحش بعامة، حاجة نافلة لا استعمال لها ولا أسواق، ولم تكن ترفاً يُقصَد منه الفرجة، كما الفرجة على أفلام الإثارة الهوليودية. لقد كان الأمر من الخطورة بحيث أن وصفه بأنه أحد أضخم الصناعات الأرضية التي شهدتها الإنسانية في تاريخها، ليس مجازفة. ومكمن الخطورة ليس في أنها تعيد اختراع الشيطان، وتجسده تجسيداً حياً على الأرض، بحيث يغدو منظوراً ومشاهداً بالباصرة والمسموع والملموس؛ لا في فيلم إثارة ساخن، أو حالة سياسية وجغرافية وحضارية سائلة. لا في كتابٍ للمطالعة، بل واقع يحتاج إلى دقة تنفيذ، وعاملين ومروجين وحسابات أرباح وخسائر، وتحسين شروط الإنتاج والجودة، ومتابعة الاستهلاك والإقبال وضبط الدعاية والإعلانات له. وطالما أتعب أهلَ المال والشركات إنتاجُ سيارة جديدة منافسة في السوق، فكيف بالأمر وأنت تجتاز حدود الآلة، ومُخَيِّلة إنتاجها، بغية إنتاج كتلة من الظلام الدامس، تتحرك وتنتصر. وتكسب وتعيد صياغة العالم بتعابير وملامح جديدة؟

النموذج الكلاسيكي القديم الذي صوره يوحنا، صاحب “سفر رؤيا يوحنا”، لا خَفاءَ بأنه قد فقد بريقَه، وتبخّرَ الكثيرُ من ألوانه الزاهية بفعل السنين وتعاقب القرون، مع أن السِفر ينصُّ صراحة على أن “وحشاً ما”، (كما سماه تماماً السيد أبو بكر ناجي: إدارة التوحش) سوف يخرج من باطن البحر الكبير العظيم، البحر المتوسط، وسوف يُخضِع ملوكاً وشعوباً.. الخ.(6)

لكن ثمة نموذجاً أحدث، وأمثل حرفة في صناعة الشيطان؛ تأملناه ملياً في مسرحية غوته (1749ـ1832): من خلال “فاوست”، وتعرفنا على الشيطان “مِفوستوفيلس”(7)، الذي ساوم فاوست مساومة واضحة وصريحة وشاقة أكثر من وحش يوحنا، الذي بدا أشبه بحالة حلمية هلواسية واستيهامية، مُعَبِّرة ومُلْهِمة، لكنها بلا حياة خاصة ولا تفاصيل، لكن مشكلة مِفوستوفيلس، الشيطان الأكبر لدى غوته، تشابه مشكلة إبليس الكلاسيكية والتقليدية في الأديان القديمة جميعها، فهي تعبر عن الخير والشر بسذاجة مكافئة لسذاجة شعوب العالم القديم، فالشر منتج بسيط وطبيعي يستند في كثير من قدراته وإمكاناته على ما هو مُتَصَوَّر في الذهنيات أولاً، وعلى  تطور الشهوات والغرائز التي سعت الأديان القديمة أن تضعها مقابل الفضيلة، وبهذا الشر البسيط والبدئي النموذج، تم اكتمال مجد الله، ومد مساحات نوره على الأرض كلها وعلى الكون أجمع، نكاية بالشيطان وقمعاً له، وبحيث يتم استيعاب درجة الخطر التي يمثلها ويتمثل بها الشيطان، أو قوة الشر الحية والمتدفقة في هذا الكون.

ــ 5 ــ

وما يستلفت الانتباه بقوة إلى هذا الجنين الموعود الذي أثمر فيما بعد ولادة داعش، هو سؤال هام يتصل بموضوعة الشيطان نفسه، والذي سماه “غوته” “مِفوستوفيلس”؛ (وبالمناسبة، فإن “أوزوالد اشبنغلر” في مؤلفه الضخم، (تدهور الغرب)، حين صنف الحضارات البشرية ورصد تطورها، وتنبأ بنهاياتها، وأطلق عليها مسميات من عنده تطابق رموزها ومضمونها كما يعتقد، اختار أن يسمي الحضارة الغربية باسم “الحضارة الفاوستية”، وليس في التسمية صدفة خالية من المعنى)(8).

وأعود إلى السؤال: هل كان الشيطان يعلم بأنه هو الشيطان؟ وبتعبير آخر: هل كان الشيطان في تاريخه الطويل الذي عرفته البشرية به، من خلال مبدأ الشر الذي يُحمل عليه، واعياً وعياً داخلياً لفكرة أنه هو الشيطان، وأن هذا الشر هو مجرد مهمته المسنودة إليه؟ أو هو المخلوق الموكول إليه فعل الشر وصناعته في هذا الكون؟ أم أنه كان يعي بأن الشر شيئ نسبي لا وظيفي، وليس له ماهية أو صدور محدد.؟ وأن رأي الآخرين في شره قد يكون خاطئاً و تعليلياً مضطرباً، ومبنياً على تصورات وأحكام مسبقة نابعة من قيمهم الدينية الصارمة، التي لا هوادة في تصنيفاتها.؟

يبدو أن غوته في مسرحية فاوست، قد حاول الإجابة على هذا السؤال بطريقة مبطنة وغير مباشرة، (وهذه في رأيي واحدة من الأسباب، وجزئية من الجزئيات التي خلدت عبقرية مسرحيته وكتبت لها الخلود): إن “الشيطنة” ليست فعلاً مضمراً بالشر المطلق، كما يتوهم البشر “العاديون”، بل هي عقد بين طرفين، ومقايضة متكافئة بين عقلاء مسؤولين عن تصرفاتهم. فهل كان جواب غوته في فاوست شافياً وكافياً لاستيعاب سؤال كبير كهذا؟ الجواب، في رأيي، هو: لا.. إن قوة العالم الحديث، عالم الكتلة المتحكمة، والقوة والصناعة والمال والرأسمال المعولم والإعلام الحديث، والتي خططت وصنعت داعش؛ كان لها جواب آخر ورأي آخر.

نتوقع من عالم العولمة المعاصرة أن يبثنا أفكاراً وتعاليماً مثل: دعكم من الآداب والأشعار التي صورت الشيطان، لكي تُلهم وتسترضي قراءً متبطرين، دعكم من شيطان “إيفان كارامازوف”، ومن شيطان “فاوست”، فما أولئك بشياطين، بل هم خيال أدبي ملتهب، واستعارات كنائية تغذي المُخيلة. أو لنقل إنهم مجرد رسوم تخييلية لشياطين هُبل وسخفاء نُسجت على الورق، لا تقتل ولا تغوي ولا تبيد الناس جماعات، ولا تتكلم باسم الله علانية وفي منتهى قوة تحلل الضمير.

الشيطان حقيقة لها سحرٌ أخاذ. حقيقة جاثمة منذ الأزل، وإن كنتم لا ترونها، ولا تلاحظونها بسبب انشغالكم بروتين الحياة التقليدية ومشقاتها التي لا تنتهي، وها نحن إنما سنخطو الخطوة الأخيرة في سُلم التاريخ، وسنعلن بعدها نهاية التاريخ. فلا تاريخ بعد ظهور الشيطان وخروجه. لأن خروجه، يعني بالمقابل خروج المسيح الذي وَعَدَنا بالعودة. وهل هناك أجلى مثالاً وأسمى تطلعاً من عودة الرب ابن الإله، والذي سيعود إنساناً وابن انسان.؟ بل، أكثر من ذلك، سنهمس في آذانكم بصريح سِرِنْا: نحن إنما كنا نمهد لخروج ذلك الشيطان منذ سبعة عشر قرناً، من أجل عودة المسيح، وبتحديد أدق منذ أن سطت روما على تراث المسيح وخطفت منه إنجيله في مجمع نيقيا عام 325 م.

ولهذا لن يمنعنا شيء من تحطيم أغلاله، ومساعدته على التحرر والخروج، وفك إساره وإطلاقه ليلوب في هذه الدنيا الواسعة. الأمر إذن أكبر من أن نقبله أو نرفضه. وفوق رأينا وحاجة روحنا، هنالك إرادة الله النافذة في كل شيء في هذا العالم. هذه المرة سيكون الله هو نحن، وليس يسوع، وسيكون الآب العليم القادر هو شركات الإنتاج وكتل المال العملاقة، التي تملك العلم والمال والقيم الإنسانية. لذلك نقول، وكلنا إصرار وتصميم ووضوح رؤيا من الغاية النبيلة التي نذرنا النفس لها: لا تحتقروا داعش، ولا تشمئزوا من أفعالها. ولا يهولنكم أنها نار تحرق وتكتوي بها أمم وشعوب، فمن النار انبثقت الحضارة، ولولاها لكنتم اليوم ما تزالون همجاً تأكلون لحوم بعضكم بعضاً، وهي نيئة كما كان يفعل أجدادكم وأسلافكم البدائيون. ألا ترون معنا أن غياب الشيطان طيلة قرون، أو استقالته من هذا الدور قد يضر بقضيتنا وقضيتكم، وسوف يعيق التطور أعواماً..؟ ألا يكفي أنه ملأ هذا الوجود المترع باللامعنى وضوحاً واستنارة.؟ لقد أعطى الموت صبغة، كانت مغيبة تحت ركام عناء الحياة ومشاكلها وأكاذيبها التي لا تنتهي، وبث فيه معناه الجديد. كما أنه منح الحياة مضموناً جديداً. فانظروا جيداً، واحكموا على الأمر بأنفسكم: أليست هذه فلسفة جديدة، نَحَّتْ كل ما سبقها من الفلسفات، وأطاحت بها، وأسقطت كل منطق قديم للحياة، وأهزلته وجعلت منه أضحوكة؟

سنسمح لكم بعد ظهوره بأقصى الحريات، (لأننا سوف نسمح له بأن ينهزم أمامنا في نهاية المشهد)، وسنسمح دائماً بالشجب والاعتراضات والاحتجاجات؛ بل وبالثورات كما يحلو لكم وتشتهون. ولكن مهما انتحيتم جانباً عنا، ومهما ابتعدتم لسوف تعودون الينا في النهاية طائعين، سوف تأتون جاثين على ركبكم ضارعين وأنتم تبكون:(لقد استبان السر وانكشف الأمر.. فتفضلوا علينا متكرمين وامنحونا “سركم” قبل أن يمنحنا الشيطان (أو داعش، أو أبو بكر ناجي) “سره هو”، وسنقبل بغموضكم ونباركه قبل أن يفترسنا.

هذا ما يمكن تخيل أن يقوله لنا المحافظون الجدد في أمريكا على سبيل الفرض، وقد عزموا أن يؤسسوا “مصانع التوحش”، التي كان من أحدث أصناف إنتاجها صناعة داعش، وأن يَكِلوا مهمة الإخراج والمتابعة إلى دول وأنظمة مثل نظام بشار الأسد وروسيا وإيران، وأن يخترعوا إدارييها المناسبين وفلاسفتها الأفذاذ، أمثال السيد أبي بكر ناجي. ولكن لنعد مرة أخرى إلى “فاوست” و”مِفوستوفيلس”.

لا شك أن “مِفوستوفيلس “لم يكن شيطاناً على مستوى القضية، بل لقد كان يحيا في روح التاجر، ويعيش تفاصيل عرضه والخِيَرَة بين بضائعه: هل أمنحك قوة المعجزة التي أمتلكها وتهبني روحك.؟ أعطني روحك وخذ قوة المعجزة التي تجعلك إلهاً.. اتفاق صريح وعقد واضح البنود، ولا إكراه بين طرفين حُرَّين ضامنين عاقلين. ولقد أُبرِم الاتفاق بين الشيطان وفاوست برضى الطرفين، فقبل فاوست بما وَهَبَ، وقبل الشيطان بما كسب. وهذا ما لم توفره لنا “كوندوليزا رايز”، وزيرة الخارجية الأمريكية والناطقة شبه الرسمية باسم المحافظين الجدد، في شروط عقدها الذي أبرمته معنا حين قررت أن “الفوضى الخلاقة” هي (الشيء الجيد) الذي نحتاجه، وأننا، في المضمون النهائي، شعوب وأمم لا تستحق أكثر من داعش: تصنعها هي، وتتكفل إيران ونظام الأسد بدور المدراء والمهندسين والفنيين واللوجستيين الذين يديرونها، ويشرفون على وقائع المعركة على الأرض، وتقوم بلادنا وشعوبنا بدور مسرح العرض وضحية هذا المختبر الذي سوف يختبر التجارب.

الفارق الوحيد بين الصفقتين، هو أن صفقة داعش، وإدارة السيد أبي بكر ناجي، تقوم على إكراه السكان؛ حيث الناس في مناطق سيطرتها لا خِيَرَة لهم، مثل فاوست ومِفوستوفيلس، لكنها مثل صفقة مِفوستوفيلس و فاوست: (بعني روحك وخذ ما تشاء من معجزاتي). نحن كذلك سوف نشتري يأسكم، ونبيعكم أملاً جديداً. وداعش هي وكيل ميزان الصفقة الجديدة، ومعيار ضبط معادلاتها الإجرائية بيننا وبينكم. قد نقضي عليها في هذه البقعة، لتظهر ثانية في بقعة أخرى، وقد تظهر باسم جديد، وبحلة جديدة في كل مرة، فلا تيأسوا من الصفقة، ولا تنسحبوا منها بنزق المتعجل للنهايات، فالصفقة ماضية في الأمم الجديدة والقديمة لكي ترسم طريق الحضارة الجديدة. ذلك هو الغامض الذي ندعوه ما بعد الحداثة.

ــ 6 ــ

لاشك أن استئجار قتلة محترفين، أسهل كثيراً من استئجار دين عريق، ضارب في التاريخ منذ خمسة عشر قرناً، ويدين به قريب من خُمْس سكان الأرض؛ وذلك من أجل حشو هذا الوحش المطلوب والمرغوب، في تحقيق آمال كتلة المال الصغيرة المتحكمة بالعالم. أما لماذا وقع اختيارهم على الإسلام بالذات (وليس على دين آخر غيره)، فأعتقد بأن السبب لا تضمنه نصوص دينية تختص بالإسلام وحده دون غيره، قدر ما تضطره حقيقة أن الجغرافيا التي يحتلها الإسلام في قلب الشرق الأوسط هي المعول عليها.

لو كان سكان الشرق الأوسط اليوم من البوذيين أو الهندوس، لما تغير الأمر كثيراً، ولكانت داعش والقاعدة وأضرابها اليوم، تدعو إلى البوذية أو الهندوسية، وألفيناها تقتل الناس باسميهما. ولو كان الإسلام ديناً محصوراً في أوستراليا، أو كان ديناً يدين به بعض أهالي جزر المحيط الهادي، أو أقاصي الشرق الأقصى، فالمرجح أننا لن نسمع بداعش” العالمية”، كما تم تخريجها والتعرف عليها اليوم. فلا علاقة إذن بالدين ونصوصه في إنتاج الظاهرة إلا بمقدار ما تساعد أو تعرقل الريح سفينة تعمل بالمحركات الضخمة، ولا تتكل في سيرها على اتجاه الريح. فهذه الجغرافيا، هي في حقيقتها محصلة قوى ومجموع مصالح، كان يُشتجَر الصراع حولها ومن أجلها منذ العصور القديمة، وصولاً إلى العصور الوسطى وحتى اليوم. واشتباك هذه الجغرافيا بعلاقات معقدة، وذات حساسية خاصة، ومصالح مفتوحة بين طرفين؛ بين شعوبها الإسلامية وبين العالم المسيحي القديم، يُفصِح عن ذاكرة تاريخية متبادلة، تبقى حية وطرية مهما تقادم بها العهد.

وقبل أن أتهم بأنني أروج لنظرية مؤامرة، يشغلني بهذه المناسبة خاطر، أعتقد بأنه قد ساور كثيراً من الآخرين مثلي: عدد المقاتلين الأجانب في صفوف “داعش” يتراوح ما بين 10 إلى 20 ألفاً، بحسب ما توافق وتضافر عليه عدد كبير من تصريحات شخصيات مسؤولين رسميين مختلفين، وكذلك ما اتفقت عليه معظم آراء دراسات وتقديرات باحثين مستقلين. وهم يقاتلون بأسلحة استولوا عليها من عتاد الجيشين العراقي والسوري، بصورة رئيسية. بينما يقدر تعداد جنود الدول التي تمتلك منظومات تسليح متطورة في العالم، وهي منخرطة في التحالف الدولي، وفي الحرب ضد داعش، بحوالي أربعة ملايين مقاتل. وليس هذا هو سر الأسطورة ومكمن العجب فيها، إنما العجب كله يدور في التساؤل التالي: ذكر “أبو محمد الجولاني” في أكثر من مناسبة، أنه كان معتقلاً عند النظام السوري. وهذا يعني أن النظام السوري يعرف صورته، وكل تفاصيل شخصيته وبياناته المدنية. فلماذا لم يبادر النظام السوري إلى نشرها، ومشاركتها مع كل القوى المتصدية للإرهاب، على المستويين المحلي والعالمي الرسمي، والمهتمة باعتقاله كإرهابي مطلوب دولياً؟ بل حتى أنه لم يُطالَب بهذا المطلب. كما ذكر أيضاً بأنه كان مسجوناً في سجن بوكا في العراق، وهو سجن تشرف عليه القوات الأمريكية، كما هو معروف وموثق، فلماذا لم تبادر القوات الأمريكية إلى نشر صورته وكل التفاصيل المساعدة على اعتقاله، قبل أن يعلن هو بنفسه عن شخصيته وقبل ظهوره شخصياً على الملأ؟ ولماذا لم تبادر داعش إلى نشر صورته وبياناته، وقد كان مقدماً في الصف الأول فيها، بعد أن أهدرت دمه، وأعلنت على الملأ بأنه مارق ومرتد كافر، شق عليها عصا الطاعة.؟

خطورة نسبة داعش إلى الإسلام والحضارة الإسلامية، لا تكمن في انتمائها لدين معين دون غيره، فنبي الاسلام نفسه، لم يخطر بباله يوماً أن هذا التوحش هو ضرورة واجبة لاكتمال بناء الأمة، وأنه مرحلة واجبة التحقق لإقامة شرع الله ونصرة دينه، ولا كذلك الذين تابعوا سيرورة المجتمع الإسلامي وبناء دولته: الأمويون والعباسيون والأندلسيون والفاطميون والسلاجقة والزنكيون والأيوبيون والبويهيون والعثمانيون.. كل أولئك لم يخطر ببالهم شيئاً من ذلك، بل ولقد فاتهم أيضاً أن يسموا دولهم بـ”الدولة الاسلامية”، (بما في ذلك الدولة التي بناها النبي في المدينة)، ولا أن يصطلحوا على أن الأرض التي صارت تحتهم، وملك تصرفهم، تعرف باسم “أرض الخلافة”. ولكن ماهي المعوقات والمشاكل التي تمنع السيد أبا بكر ناجي من المرور، عبر خطواته المتسقة والمنظمة، وصولاً إلى المرحلة المنشودة: مرحلة إدارة التوحش..؟

لنستمع اليه وهو يقول: {ولا شك أن القوة التي أعطاها الله للقطبين(أمريكا وروسيا) جبارة في حساب البشر، إلا أنها في الحقيقة وبالنظر الدقيق في حساب العقل البشري المجرد أيضاً، لا تستطيع أن تفرض سلطانها من بلد المركز في أمريكا مثلاً أو روسيا، على أراضٍ في مصر واليمن مثلاً، إلا إذا خضعت تلك البلاد بمحض إرادتها لتلك القوى}(9)

وهذا صحيح..! لأنه، وبحساب بسيط، فإن قوة أولئك الاقوياء، أو القطبين كما سماهما: روسيا وأمريكا، والجبارة في حساب البشر، لابد أن تضعف كلما ابتعدنا جغرافياً عنهما. أي أن المشروع، مشروع إدارة التوحش، سيكون ملائماً ومؤاتياً للإثمار في بلد بعيد كمصر واليمن مثلاً، لأن القوافل والجيوش لا تستطيع أن تقطع المسافات الشاسعة بين ميناء “فيلاديفوستك” مثلاً، أو مطارات بنسلفانيا وفلوريدا، وصولاً إلى مصر واليمن إلا بعد أن يهلكها المسير ويضنيها وعثاء السفر. ولكن ما علينا من هذه النقطة، فإن الأخ أبا بكر ناجي سوف يوضحها بمنتهى الجلاء في قوله:{..القطبان اللذان كانا يسيطران على النظام العالمي كانا يسيطران من خلال قوة مركزيتهما، والمقصود بالقوة المركزية هنا هي القوة العسكرية الجبارة، التي تصل من المركز للسيطرة على مساحات الأراضي التي تخضع لكل قطب، بداية من المركز وحتى أبعد طرف من تلك الأراضي، والخضوع في صورته الأولية المبسطة هو أن تدين تلك الأراضي للمركز بالولاء والتحاكم، وتجبي إليه المصالح}(10).

ومع يقين مسبق بأن تاريخ الشرق الأوسط لا يستيقظُ استيقاظاتِه الكبرى، إلا ليسكبَ دماً، فإننا لسنا متأكدين تماماً من الذي يستهبلنا ويستغبينا أكثر من الآخر: السيد أبو بكر ناجي والمخرجون الفنيون أم الإدارة الصانعة لهم، مما يثير الريبة لدينا، بأن السيد أبا بكر ناجي يتصور مصر والصومال وافغانستان مثل طروادة القديمة، وأن “القطبين الجبارين “مثل جيوش الإغريق المهاجمة.

في عنوان فرعي يضعه السيد أبو بكر ناجي تحت مسمى:(التعريف بإدارة التوحش وبيان السوابق التأريخية لها)، يضيف مستأنفاً: {قلنا فيما سبق إن المتأمل في القرون السابقة، وحتى منتصف القرن العشرين، يجد أنه عند سقوط الدول الكبرى أو الإمبراطوريات – سواءً كانت إسلامية أو غير إسلامية – ولم تتمكن دولة مكافئة في القوة، أو مقاربة للدولة السابقة من السيطرة على أراضي ومناطق تلك الدولة التي أرادت أن تتحول بالفطرة البشرية إلى مناطق وقطاعات هذه الدولة، للخضوع تحت ما يسمى بإدارات التوحش. لذلك تعرف إدارة التوحش باختصار شديد بأنها: إدارة الفوضى المتوحشة.!! أما التعريف بالتفصيل فهو يختلف تبعاً لأهداف وطبيعة أفراد هذه الإدارة، فلو تخيلناها في صورتها الأولية نجدها تتمثل في: إدارة حاجيات الناس من توفير الطعام والعلاج، وحفظ الأمن والقضاء بين الناس الذين يعيشون في مناطق التوحش، وتأمين الحدود من خلال مجموعات الردع لكل من يحاول الاعتداء على مناطق التوحش، إضافة إلى إقامة تحصينات دفاعية. قد ترتقي إدارة احتياجات الناس من طعام وعلاج إلى تحمل مسؤولية تقديم خدمات مثل التعليم ونحو ذلك، وقد يرتقي حفظ الأمن، وتأمين الحدود للعمل على توسيع منطقة التوحش.

لماذا أطلقنا عليها: {إدارة التوحش} أو إدارة الفوضى المتوحشة، ولم نطلق عليها  إدارة الفوضى؟ ذلك لأنها ليست إدارة لشركة تجارية أو مؤسسة تعاني من الفوضى، أو مجموعة من الجيران في حي أو منطقة سكنية أو حتى مجتمعاً مسالماً يعانون من الفوضى، ولكنها طبقاً لعالمنا المعاصر ولسوابقها التأريخية المماثلة، وفي ظل الثروات والأطماع والقوى المختلفة، والطبيعة البشرية، وفي ظل الصورة التي نتوقعها في هذا البحث، يكون الأمر أعم من الفوضى، بل إن منطقة التوحش قبل خضوعها للإدارة، ستكون في وضع يشبه وضع أفغانستان قبل سيطرة طالبان. منطقة تخضع لقانون الغاب بصورته البدائية، يتعطش أهلها الأخيار منهم، بل وعقلاء الأشرار، لمن يدير هذا التوحش، بل ويقبلون أن يدير هذا التوحش أي تنظيم أخيارًا كانوا أو أشرارًا، إلا أن إدارة الأشرار لهذا التوحش من الممكن أن تحول هذه المنطقة إلى مزيد من التوحش..!!}(11).

فإذا كانت “منطقة تخضع لقانون الغاب بصورته البدائية، ويتعطش أهلها الأخيار وعقلاء الأشرار” فيها لإدارتها، فلماذا يعتقد السيد أبو بكر ناجي أنه الأكفأ والأولى بإدارتها من “أهلها الأخيار”؟ لقد بات واضحاً كما أحسب، أن السيد أبا بكر ناجي إنما هو المفسر التنفيذي لمضمون ومحتوى كلام “كونداليزا رايز”، وكل الذين خدموا في إدارتي بوش الأب والابن، وأن أبرز المقاصد والغايات لهذه الإدارة هو أنه {..في ظل الثروات والأطماع والقوى المختلفة والطبيعة البشرية} كان واقع الحال كما يلي: الواقع قبل احتلال الأمريكان للعراق، وقبل وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان كان متوحشاً، ثم تحول هذا الواقع بعد احتلال الأمريكان، ووصول طالبان وسيطرتها على كامل التراب الأفغاني، إلى واقع مثالي تسدده الحكمة. وذلك بعد النجاح المنقطع النظير في{ إدارة حاجيات الناس من توفير الطعام والعلاج، وحفظ الأمن والقضاء بين الناس الذين يعيشون في مناطق التوحش وتأمين الحدود من خلال مجموعات الردع لكل من يحاول الاعتداء على مناطق التوحش، إضافة إلى إقامة تحصينات دفاعية. قد ترتقي إدارة احتياجات الناس من طعام وعلاج، إلى تحمل مسؤولية تقديم خدمات مثل التعليم ونحو ذلك، وقد يرتقي حفظ الأمن وتأمين الحدود، للعمل على توسيع منطقة التوحش}(12).

خاتمة

الأمر نفسه ينسحب على مناطق سيطرة داعش بعد أن استبان “تعطش أهل المنطقة الأخيار وعقلاء الأشرار” للنجاح الذي حققته هذه الإدارة، فقرروا الاستمساك بها. بيد أننا سوف نتساءل مرة أخرى؛ والأمثلة سوف نستقيها من إدارة داعش للمناطق التي سيطرت عليها في سوريا والعراق: إذا كانت مجمل الحدود المنصوص عليها في الشريعة الاسلامية لا تتجاوز العشرة حدود، بعضها غير قطعي وغير مؤكد، فكيف قفزت هذه الحدود إلى عشرات ومئات الحدود على يد داعش، والإدارة المتوحشة الجديدة، والمستلهمِة لجواهر الحكمة التي يبثها السيد أبو بكر ناجي؟ وما هو الأصل التشريعي الذي يجعل، مثلاً، من لبس بنطلون “الجنز” إثماً وجريمة شرعية، تستوجب حد الجلد مائتي جلدة للابِسِهِ مثلاً؟ ولماذا لم يكن ذلك الحد مائة وخمسين جلدة أو مائتين وخمس وعشرين جلدة مثلاً؟ وما هو الأصل التشريعي الذي يقرر بأن لبس الإيشارب أو المنديل النسائي الفاتح اللون، أو الوردي أو الزهري هو خروج على الشريعة؟ وأن “دين الله” الذي يطبق نهج السلف الصالح ويسير بسيرتهم، قد قرر الحد على هذا الإثم بوضع الفتاة صاحبة الإيشارب في قفص حديدي ـ كالحيوانات ـ مليء بالجماجم والعظام، وعرضها لعدة أيام في الساحات العامة، حتى تُجَنّ أو تتلف روحُها أو تموت رعباً؟ ومن الذي قرر من وجهة نظر الشريعة (المستندة إلى النص والدليل)، بأن المتعاون مع التحالف الصليبي، يُغرّق في الماء حتى يختنق، أو يطلق عليه الرصاص حتى يموت موتاً بطيئاً، أو يُحرق وهو على قيد الحياة، أو يوضع مكبلاً في سيارة وتفجر به السيارة عن بعد؟

هل نسأل الشريعة وأبا بكر ناجي؟ أم نسأل “مِفوستوفيلس”؟ أم نسأل “كوندوليزا رايس”..؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • ـ إدارة التوحش: ص 3
  • ـ إدارة التوحش: ص 3
  • ـ إدارة التوحش: ص 4
  • ـ إدارة التوحش: ص 4
  • ـ إدارة التوحش: ص 5
  • ـ سفر الرؤيا: الأصحاح الثالث عشر كله.
  • ـ أسطورة فاوست لغوته، تحكي عن شخص يدعى (فاوست) ورث عن عمه أموالاً، وتعلم كل ما أمكنه من علوم زمانه، ولكنه بعد أن ادركه الكبر اعتقد أن كل ما أخذه من علم لا نفع له، فندم على سنوات شبابه التي أضاعها ولم يقضها في متعته، فظهر له الشيطان ليقايضه روحه وجسده، على أن يمده بأربع وعشرين سنة مضت من أيام شبابه، فاقتنع فاوست بما عرض عليه الشيطان، فمضى في سبيل الشر، فقتل وفسق ووقع في كل رذيلة أمكنه فعلها.

راجع فاوست ـ غوته. ترجمة: محمد عوض محمد ـ تقديم: طه حسين.

  • ـ تدهور الحضارة الغربية ج1 ج2 ترجمة أحمد الشيباني وطباعة دار مكتبة الحياة- بيروت: أوزوالد اشبنغلر
  • ـ إدارة التوحش: ص 7
  • ـ إدارة التوحش: ص 7
  • ـ إدارة التوحش: ص 11
  • ـ إدارة التوحش: ص 11

 

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: