الرئيسية / مقالات رأي / تحرير المحتل أم احتلال المحرر؟
تحرير المحتل أم احتلال المحرر؟

تحرير المحتل أم احتلال المحرر؟

معبد الحسون

لكي تُنفِّذَ إبادة مبررة بالآخرين (أي معقلنة ومتغطية بمنطق معقول ومفهوم)، تحتاج إلى ثلاثة عناصر ضرورية رئيسة: أولاً: سردية المظلومية التي تحدد الخيرَ والشرَّ تحديداً صارماً غير قابل للمراجعة، والتي تقسم العالم من حولك إلى أخيارٍ وأشرار، وأطهارٍ وفُجّار، ومتهمين مسبقاً، هم وآباؤهم وأحفادُهم مهما اجترحوا أو فعلوا أو لم يفعلوا، وإلى أبرياء مسبقاً، هم وآباؤهم وأحفادهم مهما فعلوا أو لم يفعلوا.

وثانياً: عليك أن تستحضر شواهدَ، تستنطق الماضي، وتجلب التاريخ إلى الحاضر والمستقبل، حتى لو اضطُرِرْتَ إلى تزويره، كلاً أو جزءاً، لكي تثبتَ بأن التاريخ، إنما هو الناطق الشاهد، والمبرهن على دعواك، والمصادقُ على برهان حجتك.

وثالثاً: يجب أن ترسم صوراً تزيينية بارعة ومبتكرة، لأعداء بعيدين وقريبين، ومتآمرين أشرار سريين، فضلاً عن ذوي نوايا الغدر والعدوان العلنيين. وأن تتقن رسم لوحة الكراهية للفئة المخصوصة بالإبادة المستقبلية.

إذا استطعت تأمين كل هذه العدة الضرورية وتجميعها، تكون قد ضمنتَ مشروع إبادة لكل من حولك من السكان، بكل خلو بال وراحة ضمير، مع كل ما قد تحتاج إليه من التشجيع المطلوب والنصرة والدعاية الإعلامية السابقة، والعالية النبرة والحماس، وحظيتَ بتعاطف البعيدين والقريبين، وتفهمهم لظروف جرائمك، ونبل دوافعك، وبعدِ رؤيتك السياسية العالي القدر والحصافة، وبكمية البطولة والحس العالي بالشعور بالمسؤولية.

هذا ما فعله قبلُ، كلُّ مجرمي التاريخ الماضي، من فاشيين ونازيين. ومن وحوش بشرية وقتلة جماعيين. بغض النظر عن دعاويهم المعلنة الظاهرة؛ إن كانت دينية أو قومية، حديثة في العهد ومبتكرة، أم مكرورة مبتذلة وشمطاء مترهلة. ليس مهماً بعد ذلك، أن تتم إبادة السكان بالجملة وبدون تمييز، على يد مؤمنين متدينين، يعملون لصالح الله وبتوجيه من تعاليمه، واستجابة مباشرة لأوامره، أو من أمميين إنسانيين ومتحمسين، أو من همجٍ مجهولين، أو قوميين متحضرين، ذوي أفكار حداثية، راقية وذكية وعميقة الغور. كما أن إبادة غالبية من السكان الأبرياء، المحايدين والمسالمين، الذين لم يسمعوا بدعاوي الأطراف المتقاتلة، ولا علمَ مسبقاً لهم بدوافعهم، “يُعد أمراً مشروعاً جداً”، طالما أن القاعدة المنطقية المبررة، التي تقول بأن للحرب كلفتها الشاقة، ولا محيد عن أن يلتهمَ حريقُها بعضَ الأبرياء والهامشيين. فلا حروب نظيفة اليد، باتفاق الجميع.

هذا المنطق، والمخطط المسبق لإبادة الناس بالجملة، هو الحشوة السياسية والخطابية التي خاطب بها نظام الأسد العالم، قبل أن يُقْدِمَ على تدمير وإبادة واعتقال وتهجير الملايين من أبناء سوريا. وهو يبدو معقولاً ومبرراً من وجهة نظر داعميه الإقليميين والدوليين، الذين أمدوه بالمال والميليشيات والبراميل، وبكل أنواع العتاد والدعم دون حصر.

وهو عينُه ذات المنطق، الذي صدعت به كل الفصائل الإسلامية البائدة، على كثرتها، دون خلاف أو تميز إلا بالتسميات، وربما كان تنظيم داعش يكثفها رمزياً ونسبياً، فهو يختصرها ولا يحصرها. وهو العدة نفسها التي تسلحت بها “قسد”، والقوى المتآزرة معها والمعاضدة لها، ورأته جميلاً وجذاباً، وأكثر من كافٍ لكي تغطي مشروعها الفئوي الأقلوي، والاستئصالي الشمولي، بشعارات الديمقراطية والتعددية وأخوة الشعوب، والتجربة المدنية الوليدة والفريدة. وهو ذات المنطق والخطاب الذي شرعت تتسلح به وماتزال، معظم القوى الدولية المتدخلة على الأرض السورية، البعيدة والقريبة، والمباشرة الأصيلة، وغير المباشرة، المتدخلة بالوكالة.

حسناً.. هم يتظاهرون بأنهم جاؤوا ليحررونا من إرهاب الـ PKK وسلوكه الفاشي. ونحن نتظاهر بأننا تحررنا من الـ PKK وطغيانه وفاشيته. والـ PKK يتظاهرون بأنهم تعرضوا لخيانة وانكشاف ظهر. وأنهم كانوا ضحية غدر وعدوان، وتخلٍ من أصدقائهم وداعميهم، ومن عدم وفاء الأمريكان وجحودهم. وأن داعميهم الأمريكان ـ كعادتهم دائماً، وكما هو مشتهر وشائع عنهم ـ مَرَدُوا على النفاق، والتخلي في منتصف الطريق. وأن هذا التآمر الدولي عليهم، قد فرّط بتجربتهم الديمقراطية المدنية الناشئة، والغضة اللحم والعظم.

داعش أيضاً تتظاهر بأنها على وشك العودة، لأن تلعب دوراً جديداً في الساحة، ونظام الأسد يتظاهر أيضاً بأنه على وشك العودة، لاستعادة أجزاء من حضن الوطن التي سلخها الإرهابيون والمسلحون منه. داعش والنظام أكثر القوم توهماً، بأن التاريخ سوف يمنحهم الفرصة الثانية، والتي قلّما جاد بها على أحدٍ مرتين.

التاريخ وحده لا يتظاهر ولا يتوهم، وهو يعرف الذين عبروا ملاعبه في الماضي، من آلاف السنين. فاختبر أقدارهم، ورافقهم وهو يشيعهم نحو الهاوية، حتى تلويحة الوداع الأخيرة. هذا التاريخ كان يعرف الذين صاحوا في الماضي بالشعار (عليَّ وعلى أعدائي) معرفة وثقى، ولقد علّمنا من أسراره ودروسه كثيراً؛ من ذلك مثلاً، أن كل الذين جرفهم الحماس لأن يستظهروا بمبدأ (إما نحن أو الطوفان)، قد أهدوا نصرهم النهائي للطوفان، ورضوا من الغنيمة بالغرق فيه، فما نفعوا ولا انتفعوا.

القاسم المشترك الذي يحقق ربطاً جمعياً مشتركاً، من حيث الجوهر، بين جميع هؤلاء الفرقاء المتصارعين، هو أنهم جميعاً لم ينتبهوا يوماً، بأن هنالك شعباً سورياً هو صاحب الإرادة في النهاية، وله الكلمة الفصل في تقرير مصيره، ومبلغ خاتمة محنته التي استطالت سنين. بل لعل هذا المشترك فيما بينهم يرتقي إلى مصاف النظرة إلى عموم السوريين ومصلحتهم، بكونهم فضلة زائدة، ونافلة لا يحتاجونها، إلا حين يريدون أن يبيدوا مدناً أو يعفشوها، أو يجندوا شبانها كمقاتلين بأجر رخيص في صفوف الميليشيات.

(نريد هذا الاحتلال ونرفض ذاك). (نراهن على المحتل الجيد ونشجب الآخر السيء). (نريد محتلاً ضد النظام). (بل نريد محتلاً داعماً للنظام). (نريد محتلاً بقفازات ناعمة، ونرفض المحتل ذا القفازات الخشنة). سيرورة المزاج العام وتقلباته غير المشعور بخطورتها، أورثت كثيراً من السوريين بناءً تصورياً سياسياً، قائماً على فرز قوى الهيمنة على القرار الوطني، حسب الحاجة النفسية المتاحة، وعلى قوالب قبليات أقلوية أو أكثروية، دينية أو عرقية، أو على حاجة ومصلحة فردية أو جمعية، بل وأحياناً استجابة لحاجة محض نفسية لا أكثر.

يذكرني هذا الواقع بنكتة قديمة، شاعت في مدينة الرقة في سبعينات القرن الماضي. نكتة تقول بأن أحد أهل الريف كان كارهاً لأغاني المطرب فريد الأطرش، إلى حد النقمة عليها. ولما انتشرت أجهزة الراديو الترانزيستور في المدينة، ذهب إلى أحد محلات بيع الترانزيستور، بقصد شراء أحدها، وطلب من البائع راديو ترانزيستور، شارطاً عليه الشرط التالي: ” أريد جهاز راديو ترانزيستور لا يظهر فيه صوت فريد الأطرش أبداً” أو بتعبير اللهجة المحلية: “أريد راديو ما بو فريد بنوب”. تقول تتمة النكتة أن البائع راح يعرض عليه الأجهزة وأنواعها وأسعارها؛ فهذه تُسمَع فيها أغاني فريد الأطرش كثيراً، وتلك لا تظهر فيها أغاني فريد إلا نادراً، وعلى فترات متباعدة. أما هذه؛ الأجود والأفضل والأغلى ثمناً، فهي التي لا تُسمَع فيها أغاني فريد نهائياً.

ترى أي أعدائنا وأصدقائنا اليوم، نحن السوريين، وأيُّ مخلصينا ومنقذينا، يمتلك اليوم راديو ترانزيستور لا يوجد فيه أبداً أغاني فريد الأطرش؟

كاتب وروائي سوري ، مدير القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: