الرئيسية / مقالات رأي / صورة المعارض النذل
صورة المعارض النذل

صورة المعارض النذل

عمر قدور

تتزاحم على وسائل التواصل الاجتماعي الصور المشرقة الآتية من انتفاضتي لبنان والعراق، لا تجد بينها مكاناً لصور ذات دلالة مختلفة لمتظاهري بلدة سورية تابعة لإدلب هي كفرتخاريم، حيث خرج الأهالي ضد سطوة وسيطرة هيئة تحرير الشام بزعامة الجولاني. لا أحد يرد الأذى عن أولئك الأهالي أمام وعيد الجولاني بمعاقبتهم، فالفصائل التي أنشئت يوماً بزعم حماية السوريين تحولت إلى مرتزقة، بعضها متفرغ لممارسة ما يمارسه الجولاني أو أشد، إما في عفرين أو في مناطق السيطرة الجديدة بين رأس العين وتل أبيض.

في هذه الأثناء تنعقد اجتماعات اللجنة الدستورية من دون منغصات حقيقية، فوفد الأسد مرتاح لهذه الفرصة في جنيف ليمارس بلطجته خارج الحدود، ووفد المعارضة يدأب على لعب دور التلميذ المهذب الذي لا يخرجه عن أطواره تنمّر بلطجي الصف. على متابعي الاجتماعات الاقتناع بأن الناظر الدولي يرى كل ذلك، وهو الذي سيقرر في اللحظة الحاسمة إنصاف ذاك المهذب ووضع حد نهائي للمتنمر، وليس بقليل في هذا السياق الإتيان باثنين من ضباط المخابرات في عداد وفد الأسد، وبدل من ممارستهما التعذيب في المعتقلات ها هما يكتفيان بقليل من العنف اللفظي!

لا نعرف ما إذا كان أحد من المعارضين في اللجنة الدستورية، أو سواها من مدّعي تمثيل المعارضة السورية، قد تابع مظاهرات الأهالي في كفرتخاريم، أو يتابع انتفاضتي لبنان والعراق. نفترض وجود هذا المعارض، ولا مؤشر لدينا على إحساسه بقليل من الحرج وهو يرى انتفاضة الناس هنا وهناك من أجل كرامتهم وكرامة أوطانهم، بينما يعمل هو كمعارض بالمعنى التقني للكلمة؛ يذهب إلى الاجتماعات، ويستمع إلى توجيهات من هم أعلى شأناً منه ويدفعون له رواتبه، ثم ينصرف إلى أداء وظيفته الروتينية.

خارج عمله الروتيني، لا يُستبعد أن يكون المعارض قد تابع “مشكلة” كفرتخاريم، ونظر إليها كشأن تركي، وأنقرة هي التي تقرر خاتمتها ما دامت هذه منطقة نفوذها، وهي الأدرى بتفاهماتها مع موسكو. ربما يكون مسروراً بانتفاضتي العراق ولبنان، ويبرهن لنفسه عن حس سياسي واسع إذ ينتظر من الانتفاضتين انتصاراً على النفوذ الإيراني، ثم يعود إلى واقعيته السياسية، فيقرر أن ضعف النظام الإيراني بسببهما سيجعل منه أقل تشدداً في مفاوضات الملف السوري، وهكذا تصب الانتفاضتان في خدمة وفده في اللجنة الدستورية.

لا يرى موظف المعارضة في الانتفاضتين تلك الإرادة الشعبية التي ينبغي أن تذكّره بإرادة السوريين وثورتهم، الثورة التي يدّعي تمثيلها لأن جهة ما، إقليمية أو دولية، وضعته في مكانه. هو منذ سنوات اعتاد على أولئك السوريين الذين يتنكرون له ولوظيفته، ولا يراهم إلا كرهط من الثرثارين على وسائل التواصل الاجتماعي. أما تذمّرهم منه فيمكن ردّه إلى دوافع عديدة، فمنهم من ينافسه على وظيفته، ومنه من لا يفهم تلك الوظيفة أصلاً لعدم فهمه مقتضيات السياسة. ثم، لا ضير في أن يكون قد تعرض لسنوات إلى الشتائم، لأن من طبيعة عمل السياسي أن يُشتم، ومن طبيعته الشخصية ألا تؤثر به الشتائم ولا تثنيه عن مسيرته.

إنه في أحسن أحواله، ومن باب المسايرة ليس إلا، سيبادرنا بسؤاله الإعجازي: ما البديل؟ وفق السؤال، يجب علينا تقدير الظروف الصعبة الاستثنائية المحيطة بعمله، فهو طوال الوقت يتعرض لضغوط دولية وإقليمية لا يمكن له أو لأحد غيره مقاومتها، بل ستؤدي أية مقاومة إلى التفريط بحقوق السوريين. السياسة هي فن الممكن، وهو يفعل ذلك الممكن بجدارة، ومهما تدنى المتاح منه. ينبغي علينا تذكّر أن الثورة تعرضت لأكبر تخاذل دولي في التاريخ، ولا يجوز رغم ذلك أن تخرج خالية الوفاض من دون تحقيق إنجاز ما، ومن خذلوها هم أنفسهم لا يستطيعون الخروج بلا إنجاز يستر مواقفهم، لذا لا بد من مجاراتهم وعدم التفريط بأي مكسب.

خلاصة ما يقوله المعارض، من دون إعلانه صراحة، أن البديل عنه هو نفسه، بكل ما فعله خلال سنوات، لأن بديلاً عنه لن يتاح له فعل شيء آخر. لا يُستغرب أن يكون هو نفسه قد استنكر من قبل سؤال الغربيين المفضّل عن البديل في سوريا، وأجاب عنه مثل كثر بأن البديل يقرره السوريون في جو من الحرية والديموقراطية. ربما كان أيضاً قد تحدث عن الأسدية التي منعت السياسة، ومنعت تالياً تبلور بديل ناضج، ذلك من دون أن يراوده أي شك حول أن وجوده، هو وهياكل معارضته، قد أعاقا في ما بعد ظهور البديل الذي يتساءل عنه.

ما يتجاهله موظف المعارضة أن البديل ليس أشخاصاً يأتون ليؤدوا وظيفته نفسها، البديل هو نهج وسياسات وهياكل مختلفة. ثم، إذا كان أفق السياسة مسدوداً حقاً أو محدداً بسقف دولي، ليست السياسة مقدسة أو إلزامية، والسياسي المخلص للواقع هو من يعلن ذلك بصراحة وينسحب تاركاً لأصحاب القضية تقرير الخطوة التالية، بخلاف ما يفعله السياسي المخلص لوظيفته أو لمشغّليه. ثم، أليست الثورة هي التعبير المعتاد عن انسداد الأفق السياسي؟

الواقع أن وجود هؤلاء المعارضين، وقد ارتضوا لنفسهم ذلك، هو تجريد الثورة من شرف الهزيمة بعد منعها من شرف الانتصار. ولو كان هناك إحساس حقيقي بالكرامة فإن إعلان الهزيمة أشرف ما يمكن فعله، ولم يكن معيباً في أي وقت، ولأي شعب، أن تفشل ثورته في مواجهة قوى وظروف تتفوق على مقدراته. لا توجد ثورة على مبدأ المرة الواحدة، وكأن التاريخ ينتهي بعدها. انتفاضتا العراق ولبنان فيهما الدرس الذي ينبغي التقاطه، ولو كان لدى المعارضين السوريين كرامة لكانتا حافزاً لهم للاستقالة بأشخاصهم وهياكلهم. إن أقل انتباه للمزاج السوري الحالي سيلتقط منه أيضاً صرخة “كلن يعني كلن”، وهي لا تستثني المعارضة بل تضعها في موقع متقدم جداً من القائمة، ومن المرجح أن تلك الصرخة عندما ستنطلق لن تستثني حتى بعض قائليها اليوم.

المدن

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: