الرئيسية / مقالات رأي / روسيا التي تبتلعُـنا
روسيا التي تبتلعُـنا

روسيا التي تبتلعُـنا

معبد الحسون 

خلال الأيام التي سبقت الهجوم الأمريكي الكاسح على أفغانستان، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ظهر وزير الدفاع الأمريكي “دونالد رامسفيلد”، ليصبح واحداً من أبرز نجوم الميديا الإخبارية والإعلام، على مستوى العالم بأسره. لم يكن الرجل ينفكُّ عن ظهوره المتوالي السريع على مدار الساعة؛ عبر أجهزة التلفزة أمام الكاميرات والمراسلين، وأمام الكونغرس ووزارة الدفاع الأمريكية. كان العالم بأسره مشدوداً إلى الرئيس الأمريكي “جورج بوش” الابن و”رامسفيلده”، وزير دفاعه.

أثناء إحدى جلسات مقابلاته مع لجان الدفاع في الكونغرس، وتقديم بيانات استعداده الكامل والشامل لبدء العمليات العسكرية ضد أفغانستان، وتحديد أهداف الحرب المزمعة، والنقاط المتوقع قصفها، تسلل سهواً من فم الرجل تصريح لا يخلو من دلالة، فضلاً عما يضمر من طرافة، (ولا أستبعد أن الرجل كان في حال من بعض السهو والشرود أثناء قيله ذاك)، حيث راح يتساءل: (ما الذي يتوجب علينا قصفه في أفغانستان؟ هل نقصف خيمة ثمنها خمسة دولارات مثلاً، بقذيفة صاروخية كلفتنا أكثر من أربعة آلاف دولار؟).

تساؤل “رامسفيلد”، الذي يبدو من حيث الظاهر ساذجاً وشعبوياً، وغير متوقع من وزير دفاع الدولة العظمى على مستوى العالم، لا ينفي أنه لم كان ذكياً وعميقاً ومحدداً، في جوهر وسياق تعيُّن الجدوى، والمغزى العميق وراء هذه الحرب، كما أنه لا يخلو من بعد نظر استراتيجي.

لن أسحب مقايستي هذه سحباً ميكانيكياً، في مقارنة اعتباطية بين الهجوم الأمريكي على أفغانستان، قبل حوالي عقدين من الزمن، وبين الاحتلال الروسي لسوريا. لكنني سأحاول أن أستفيد من هذه الشعبوية الاستراتيجية، التي لا تخلو من المعنى والمنطق الطبيعي. يغريني بهذه المقارنة ما يُلحظ من تخبط روسي، وتيه سياسي، لا أبالغ لو أنني وصفته بأنه قد بلغ مداه. فروسيا اليوم، في حربها على السوريين، لم تبلغ خطوط اللا معنى وفقدان الجدوى من حربها هذه فحسب، وإنما تخطت المعقول إلى المفضول، وأسقطت أواليات كل منطق سياسي واستراتيجي لصالح الهوس والعناد والمكابرة.

لا نتذكر اليوم أعداد الجنود الروس الذين قتلوا في حرب روسيا، أثناء احتلالها لأفغانستان، ولا الأسلحة والمعدات التي ذهبت هباءً. ولا نكاد نعرف طريقة نحصي بها المال الروسي الذي أهدِر عبثاً في تلك الحرب العبثية. بل لعل الروس أنفسهم قد نسوا تلك الأعداد كلها مع طول الوقت وتباعد التاريخ. لكن الحكمة المصفاة والمستخلصة من تجارب التاريخ القريب والبعيد، وحروبه البونابرتية، تكاد تنطق بنتيجة واحدة؛ وهي أن ابتلاع السمكة ذات الحسك والأشواك، بين الأشداق وخلال الفكين شيء، وازدرادها ومضغها وتمريرها في البلعوم، ثم هضمها بمراءة في المعدة شيء آخر. فسوريا اليوم ليست جمهورية الشيشان ولا أفغانستان ولا جزيرة القرم. ولا حتى أوكرانيا أو جيورجيا. حيث كانت روسيا تلعب، تقريباً، في ملعبها وحيدة، ولا فريق منافساً لها.

روسيّاً؛ تجاوز الملف السوري والقضية السورية، منذ عهد بعيد، أن يبقى الأسد على رأس هرم السلطة أو لا يبقى. هذا الذي كان جوهرياً وأساسياً فيما مضى، بات تفصيلاً شكلياً بسيطاً لن يغير كثيراً من مجريات الحدث العام. ولا حتى أن يُستبدَل بـ”قديروف” أو “كارازاي” جديد. فالقضية باتت مكلفة في المال والسلاح والسمعة الدولية. كما كانت، وكما يتوقع أن تستمر في المستقبل. والعالم اليوم أصبح يتحدث عن هدر تريليونات الدولارات على أرض سوريا، وليس مئات المليارات فحسب. وما يزال ثقلها يزداد بمرور الوقت، حتى تجاوزت منذ زمن، أن تكون مجرد مسألة قتلى ومعتقلين ومهجرين بالملايين، بل غدت ثقباً أسودَ، وجرحاً فاغراً مفتوحاً، لم يعدْ مجدياً تخييطُه كيفما اتفق، بقيحه ودمائه. ولست أدري إن كان الساسة الروس قد أدركوا، أو بلغوا درجة من الاستيعاب، بأن المزيد من توريطهم واستجرارهم إلى ملاعب هذه الحرب الطائشة، والمستهلِكة لقوتهم العسكرية واقتصادهم وسمعتهم الدولية دون جدوى، مثل ثيران المباريات، سوف يُروج لسمعة الدولة الكبرى الفاقدة لرشدها، ويُكافِئها مكافأة الإمبراطورية النووية العظمى، التي ما تزال تعيش عيشة الكفاف الاقتصادي، كأية دولة من دول العالم الثالث الفقيرة.

جرَّبت روسيا حزمة من التغييرات، فيما يتعلق بخصوصية التجربة السورية: استبدال طبقة بطبقة، وثقافة بثقافة، وفئويات تكوينية أقوامية بما يضارعها أو يزيدها أو ينقص منها. واستعانت بجراب النظام الحاوي على أنواع شتى من العقارب، مزودة بكل صلٍّ ومصل، لكي تغير التاريخ والجغرافيا والثقافة والأمكنة السورية. أقنع بوتين جميع الفئات المحيطة به أن على روسيا أن تلعب دور الدولة الكونية العظمى. رغم أنه غير مقتنع بذلك. وأقنع لافروف جميع وزراء خارجيات الأمم المتحدة، بأنه حان الوقت لكي تستفيق روسيا الاستعمارية القديمة من سباتها، وتنهض من سباتها بعد أكثر من قرن مضى، رغم أنه هو الآخر غير مقتنع بدعواه.

واليوم باتت روسيا التي تبتلعُنا، أو التي توهمت بأنها تبتلعُنا، على وعيٍ تام بأن الملف السوري مرتبط بأكثر من معضل؛ فهي لن تستطيع أن تنجز نصرها بإغضاب إيران، شريكها الاقتصادي الأول، وإخراجها من الملعب السوري، مثلما أنه ليس من الممكن إرضاؤها، مزامنة باحتفاظها بانتصاراتها في سوريا. ولا كذلك بإغضاب الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وإسرائيل، أو إرضائهم، ولا بالقطع أو الوصل مع تركيا، جارتها وشريكتها العضوية في معظم الملفات الاقتصادية والاستراتيجية. ولعل الروس كانوا يُمَنّون أنفسهم بحزمة من المكاسب والنجاحات؛ ليس أولها وأهمها المبالغ الفلكية، التي كان يجري الحديث عنها حول إعادة الإعمار في سوريا، والتي تتحضر الدول المانحة لدفعها على طاولة قمار لا تعهد فيها ولا ضمانات، أو هي تعد بذلك على فتور ووعود بين حين وآخر. إذ اليوم ليس أبخس خسائر الروس ـ أو نجاحاتهم ـ استبدال عائلة الأسد، سيئة السمعة الدولية والصيت، بـ” نجيب الله” أو “قديروف” سوري يُتفق عليه لاحقاً.

الخيارات السياسية اليوم، وأخَصُّها خيارات إعلان الحرب و السلام، لم تعد ورقة يانصيب بخسة الثمن، لا يعني ربحها أو خسارتها الشيء الكثير، كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر، أو العقود الأولى من القرن العشرين. فطابخ السمّ قطعاً عليه أن يتذوقه، وطابخ البحص لابد أن يطحنه بأسنانه، والمعدة التي لا تستطيع أن تهضم الطعام، سوف تتآكل بهضم نفسها بنفسها، وليس أسهل من أن يلحس الغرب كلامه ويتنكر لوعوده في إعادة الإعمار، وأن يظل متربصاً، وهو يراقب في الظل، وعن كثب، أولئك الذين أرهقهم حرُّ الهاجرة، والتاريخ حين ينفي جزؤها بعضَ أجزائه الأخرى لا يصحح مساره، وإنما يسحق أمماً وشعوباً، أو يبتليها بعوارٍ ومعضلات كأداء، قد تضطرها لأن تُبتلى بها وتعايشها ردحاً طويلاً من الزمن.

لولا ذاك لما رأينا، عبر التاريخ الناطق بحكمة الأيام ومرجوع العاقبة، أمماً ودولاً تتردد بين قمة التقدم والترقي، وبين مهاوي الانحطاط والتردي.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: