الرئيسية / دراسات / إدارة التوحش بين الإيديولوجيا والتطبيق (1-2)
إدارة التوحش بين الإيديولوجيا والتطبيق (1-2)

إدارة التوحش بين الإيديولوجيا والتطبيق (1-2)

معبد الحسون

 

مدخل

بتاريخ 22 شباط فبراير الماضي، تم الإعلان عن مغادرة مدنيي قرية الباغوز، في ريف دير الزور منها، وإطباق الحصار على آخر جيب صغير كان يتحصن فيه مقاتلو تنظيم داعش، الذي تمدد قبل ثلاث سنوات في مساحات شاسعة في العراق وسوريا، تمهيداً لاقتحامه، واستئصال شأفة هذا التنظيم بصورة تامة فوق الجغرافية السورية.

صحيح أن المناسبة كانت نتوءاً صغيراً، طفح على سطح موجات الأخبار المتعاقبة والحافلة، لكنها كانت حافزاً على التفكر ملياً، في إعادة الحفر الفكري والمعرفي الذي يتبناه أمثال هذا التنظيم، الذي ترك من السابقة في العمل العسكري والسياسي والايديولوجي الإسلامي، سجالاً لم ينته، ولا يُتصور أنه قد ينتهي في وقت قريب. كما أسس لندوب مجتمعية، وإشكالات أقوامية وسكانية، أصابت بنية التجمعات الأهلية في شمال العراق، وسائر حوض الفرات في سوريا، حتى بعض أطراف المدن والقرى الداخلية والجنوبية. ولقد شجع إسدالُ الستار على آخر معاقل هذا التنظيم، الحفز على معاودة النظر في بنية تفكيره، والتصور النظري الذي يرسم مخياله والتأمل في تصوراته.

انتهى اليوم عقد من الزمن، كان فيه تنظيم داعش هو نجم الساحة بلا منازعة. محلياً؛ على مستوى بلدان وشعوب الشرق الأوسط، وكذا على مستوى العالم أجمع. فكانت هذه المناسبة جديرة بوقفة استرجاع ومراجعة، لخلاصات “فكرية مبادئية” ومقدمات “تشريعية تعاليمية”، حظيت بقسط وافر من الشهرة والإثارة؛ بل ومن رجع الدعاية والدعاية المضادة، ما شجع على أن نعيد قراءة كتاب (إدارة التوحش)، المخطوط الذي عثرت عليه قوات التحالف، (القوات الأمريكية تحديداً)، أو هذا ما أعلن عنه يومذاك، وتصدر الأخبار أثناء ظهور الكتاب المخطوط. وبعد التعرف على مؤلفه الذي لقب نفسه في مقدمة المخطوط باسم “أبي بكر ناجي”، ولست أعلم على وجه اليقين هل هذا اسمه، أم هو اسم مستعار، بل أكثر من ذلك، لا أعلم إن كان هذا الشخص موجوداً حقيقة، أم هو مبتدع مسمى تختفي وراءه جهة أو مؤسسة ما، أو جهاز بعينه.

لقد تم التعريف بالمؤلف الصغير، على أنه واحد من أهم مرجعيات الجماعات الإرهابية في العالم. والواقع أنه ربما كان هذا المخطوط الصغير الحجم، من أخطر ما رشح وظهر للعيان عبر قرن كامل، مسطراً وشارحاً سمة مرحلة كاملة مضت، ومازالت تمر بها منطقة الشرق الأوسط، والشعوب العربية والإسلامية بخاصة.

     ـ 1 ـ

 الأشرار في هذا العالم، هم أكثر المحتاجين إلى نصوص دينية، لكي يحفظوها ويستندوا عليها ويمارسوا طغيانهم وشرورهم براحة ضمير وطمأنينة لها سند. والخطورة في هذا الكتيب الصغير أنه يتكلم باسم الإسلام، وينوب عن المسلمين في شرح محتوى عقيدتهم ونظرتهم العامة إلى العالم والبشرية، ويحدد خطة عملهم المقبلة، وخارطة طريقهم في جدول الصراع الحضاري بين الشرق والغرب.

وقد ادعت الولايات المتحدة أنها عثرت على المؤلَف بمصادفة ونشرته، ومع ريبتنا الكبيرة بهذا الادعاء، نظن تظنناً أن مؤلف الكتاب هو جهة ذات مصلحة سياسية واستراتيجية ضالعة في دأب واجتهاد، أن تصنع فكراً جديداً، بل إسلاماً جديداً، تقدمه للعالم كله، لكي تفسر وتبرر سياسات وحروب متسلفة النية أصلاً، في رهاناتها وسياساتها المستقبلية تجاه العالم الإسلامي. مع التنويه والملاحظة  بأن البشر قد يستطيعون، إذا اتفقوا على مجموعة من الأكاذيب والضلالات، أن يصنعوا منها حقائقَ يتمُّ توارثُها جيلاً بعد جيل، وأن تصبحُ، بمرور الوقت، وبقوة إدمان التعاطي معها، أشياء مفروغاً من صحتها. أو على الأقل، بديهيات لا تقبل النقاش.

أضف إلى ما سبق، أن كاتب سطور المخطوط، لم يجشم نفسه في أن يشرح لنا ما هو الإسلام الذي يؤمن به، ولا الدين الذي يدافع عنه، ويتبنى قضيته كي يشرحها للناس، فهو، على سبيل المثال؛ لا يستشهد من أول الكتاب حتى آخر حرف فيه، بآية واحدة، ولا بحديث نبوي أو نص مرجعي واحد، ذي أثر ديني يُعتد به. وإن كل ما حرص عليه من خلال هذا الكُتَيب، هو أن يشرح لنا مزايا “إدارة التوحش” كما يسميها هو، وآثر أن يجعلها عنواناً يتسمى به مؤلفه هذا. فهو يبسط لنا ديناً غريباً لا يكاد يعرفه المسلمون، ولا بقية الطوائف والمذاهب الإسلامية الأخرى.

وفضلاً عن أن أكبر معوقات المعرفة ليس الجهل، وإنما توهم المعرفة، فإنما يجب التسجيل كملاحظة، بأن فاقد الشيء يستطيع أن يعطيه في احتمال واحد فقط، وذلك حين يكون من يحيطون به لفيف متكاثر من الحمقى. فالكاتب يتحدث بعدُ عن الإسلام حديثاً مروّعاً، بكونه ديناً قوامه إشعال الحروب، وبث الكراهية، وتصعيد الانتقام، دون أن نعلم ما القصد من وراء كل هذه العصبوية الحاقدة، التي تسعى لأن تجعل من الجنون المحض ديناً سماوياً، وأن تنسب هذا الجنون وهذا الجنوح الكارثي نحو القتل وتدمير الحياة كلها، إلى الله وإلى نبيه وإلى المسلمين عامة، وإلى الإسلام كدين. ثم يدعي في النتيجة التي يجعلها مُسلَّمة لا تحتاج إلى أية نقاش؛ أن هذا ما يريده الله منا نحن البشر، وأن رسالة الله في هذا الكون هي عينُ ما يخطط له، وما يعتزمه من إجرام، أو ما يقترح من أساليب عصابات قتلة جماعيين.. هو، أو من سار مساره وفكّر على منواله.

لا أريد ان أجادل في أن هذا النوع من الأفكار، هو جزء من سياقات مؤامرة عالمية أو غير ذلك، فهذا النمط من التفكير، كما يجليه في منتهى الصراحة والوضوح، هذا المدعو أبو بكر ناجي. ورؤية العالم والنظرة الى الحياة البشرية ـ كقيمة ـ؛ هذه الطبعة الخاصة جداً في النظرة إلى العالم موجودة. كانت موجودة دائماً عبر تاريخ البشرية، ولسوف تبقى موجودة لفترة، طالما بقيت الأمراض العصبية ذات المنشأ الفصامي، والطابع العدواني الاستئصالي، وليس مفيداً كثيراً أن ندعي بصحة نظرية المؤامرة أو أن نرفضها، فقد بات هذا الجدل عقيماً وغير ذي جدوى.

ـ 2 ـ

إذن لماذا هذا النص مهم جداً..؟

لثلاثة أسباب: لأن هذا الكتيب مرجع يُرجع إليه من قبل هذه الجماعات، ويُستشهد به كنص مقدس، وصل إلى درجة من الكمالات. ولأن كاتبه، كما أستطيع أن أستقرئ من النص، غير مهتم بالإسلام من أصله، فهو لا يمرّ على أي شاهد نصي من الدين، رغم دعواه بأنه ينتمي إلى المدرسة السلفية، وهي مدرسة قوام بنيتها قائم على شهادة النصوص وصحتها كما هو معروف. ولأن كاتبه من جهة اخرى، وكانطباع أولي، جاهل بأساسيات الدين الإسلامي كما يظهر. حتى ليُخَيّل للمرء بأن هذا الكاتب لم يطلع على الدين حتى في أساسياته المدرسية والتعليمية البسيطة، ناهيك عن أن يُعَدَّ امرأً فذ الاطلاع على دقائق العقيدة، ومُرَجِّحات النصوص، ودرجة الاستبصار بها، وبقوة صحتها أو ثبوتها أو ما شابه. وذلك لو سلمنا بأن النص، كمعطى أولي، هو من تدوين طالب علم، أو تلميذ امتلك ناصية الأساسيات التي لا يغفل عنها المتلقي، عن علماء سلفيين في درجاتها الدنيا، فكيف يتنطع في حال من الجهل بالدين كله، ومن أساسياته، ليضع نفسه في موقع المُنَظِّر الأكبر للأمة وللتيارات الجهادية.؟

كل ما نستطيع أن نؤكده هو أن السيد أبا بكر ناجي(إن كان شخصاً حقيقياً أو وهمياً، أو هو تابعية مؤسسة أو دولة)، قد تحول بالإسلام، من خلال هذا الكتيب، من دين سماوي، إلى لائحة إرشادات أو نظام داخلي لعصابات قتل، ومن صلة معتقدية بين الإنسان والله، كما قررها الإسلام، وكما استقرت ورسخت عبر قرون إلى لائحة تعاليم عصاباتية الطابع، ولو ألزم عنوان مخطوطه ذاك حاشية من نوع:” كيف تصبح زعيم عصابة إجرام ناجح في خمسة أيام من دون معلم” لكان حقيقاً بذلك، ولم يجانب مضمون دراسته وفحوى كتابه قيد أنملة.

يقول في استهلال كتيبه ما يلي:{كتبت في موضوع سابق، عن قدر الإعداد المادي الذي قام به ذلك الفصيل من فصائل العمل الإسلامي الذي نحسبه قائماً بأمر الله في هذا الزمن، والذي نحسبه سيتنزَّل عليه النصر بإذن الله، وتطرق الموضوع إلى المشروع الذي يطرحه ذلك الفصيل للخروج بالأمة مما هي فيه من الهوان، لتعود لقيادة البشرية للهداية وإلى طريق النجاة، ومقارنته بالمشاريع المطروحة من قبل باقي فصائل العمل الإسلامي، والتي أصابت الشباب الإسلامي بالحيرة.}(1)

بهذه العبارات يفتتح مؤلف كتاب “إدارة التوحش” مؤلفه الصغير، حيث لا يتجاوز 106 صفحات، والذي كان، وما يزال، يعتبر دليلاً نظرياً ومرشداً لمعظم التنظيمات الأصولية “المتوحشة”. ويفترض مؤلف الكتاب جهة ما، يتوجه بالخطاب إليها، فهو بكل تأكيد لا يخاطب القارىء، أي قارىء كان، وأينما كان، فهو يخاطب “أخياراً مفترضين”، لكي يعدوا العدة على أكمل وجه، و “يحسنوا التصرف” لكي يواجهوا “أشراراً مفترضين”. وهو يرى أن ثمة أمة قائمة (هي أمة الإسلام طبعاً)، حازت من الكمال ذروته، ولم تعد بحاجة إلى مزيد من إضافة، لا دينية ولا دنيوية، لذلك الكمال الذي وصلت إليه. كل ما تحتاجه هذه الأمة المكتملة، والمتفوقة على من سواها، هو “السلطات التي تحكمها”، أو “الحاكمية الشرعية”، أو “القيادة الجديرة بإدارتها”، والتي سوف تستنقذها من براثن “حكامها العملاء للغرب الصليبي المسيحي”. فهي إذن أمة من الأخيار يحكمها حكام أشرار، وعليه بالتالي؛ ومن باب أولى، أن يُصنِف في الإدارة والحكم، خطة تتيح لأولئك “الأخيار” أن يحكموا الحكم الرشيد الذي يرضي الله أولاً، ويقدم النموذج الوحيد المحتمل والممكن، لدولة ولحاكم مثالي، يتربع على رأس هرم أمة عظيمة مؤمنة وخيرة.

يتابع المؤلف:{أما تيار السلفية الجهادية فهو التيار الذي أحسبه وضع منهجاً ومشروعاً شاملاً: السنن الشرعية والسنن الكونية، وعلى الرغم من أن هذا المنهج رباني، إلا أن القائمين على تنفيذه بشر يعتريهم ما يعتري البشر من النقص وعدم الكمال}(2)

من حسن حظنا إذن أن يعترف الكاتب منذ البداية، بأن أصحاب هذا التيار والمشروع هم بشر يعتريهم ما يعتري البشر من النقص وعدم الكمال، فهذه نجدها نقطة لصالحنا، لأنها تفسح لنا إمكانية أن نحاورهم ونُقَلِبَ الأمر وجوهاً معهم، إذ لولا أنهم “بشر يعتريهم ما يعتري البشر من النقص”، لما وجدنا سبيلاً حتى إلى مناقشة ما يكتبون وما يفعلون. ومن حسن حظنا أيضاً، أن الكاتب يعترف سلفاً بأن هنالك سنناً شرعية وسنناً كونية في هذا الكون، أي قوانين عامة ناظمة وقاهرة، لا مجال لتجاوزها، أما الآخرون، أهل هذه الحضارة الحديثة، الكافرة والمجرمة والمتجرئة على شرع الله، فإنهم جحدوا تلك السنن، أو هم في أحسن الأحوال ومراتب حسن الظن بهم، يجهلونها ولم يتوصلوا إلى اكتشافها.

يتابع المؤلف: {أقول: ومع بعض العثرات التي يمر بها مشروعهم، التي هي جزء قدري من مشروعهم لا ينفك عنه، إلا أن خطوات مشروعهم تسير كما هي مكتوبة على الورق، على السنن الشرعية والكونية الصحيحة ، بل ينالهم بفضل الله من العناية والرعاية الإلهية ما يُطوى لهم فيه بعض المراحل، وهم وأعداؤهم في صراع لا ينكر أحد أنه شبيه بصراع الرسل مع أهل الكفر والطغيان، إن لم يُعترف بأنه استمرار حقيقي لذلك الصراع.}(3).

هذه اللغة، وهذا الأسلوب لا يمكن أن يكون لكاتب واحد، وأحسب أن النص قد تمت صياغة مسودة أفكاره من قبل “لجنة أمنية” في إحدى غرف المخابرات السوداء، ثم جرت إعادة صياغته على يد طلبة علم شرعي مبتدئين، فكُتِبَ على مراحل وعلى عدة مستويات، مما يفسر الاضطراب الفكري والتفكك الموضوعي الجلي في أساسيات طريقة المؤلف في تأليفه وصياغته. ثمة إذن “عثرات” يتعثر بها مشروعهم، مع أن “خطوات ذلك المشروع تسير كما هي مكتوبة على الورق”. أكثر من ذلك، فإنه “ينالهم من العناية والرعاية الإلهية ما يُطوى لهم فيه بعض المراحل”، ولعل المؤلف ينوّه بالكمال المعقول الذي استُكمِلت فيه السنن الإلهية والشرعية، والتي طُبِّقت في الصومال وأفغانستان، على يد مجاهدي القاعدة وطالبان، أو في نيجيريا على يد أهل السنن الشرعية والكونية من جماعة “بوكو حرام”، أو على يد “داعش” في مناطق سيطرتها في سوريا والعراق، ونحن نعترف له بأن عناية إلهية خفية قد أوصلت مشروعه إلى مصافٍ من الكمالات التي لا تُبلغ، ولا يُتوصل إليها لولا تلك العناية والرعاية.

يتابع: { هذه الدراسة الموسومة بـ (إدارة التوحش.. أخطر مرحلة ستمر بها الأمة)، عبارة عن خطوط عريضة لا تُعنى بالتفاصيل، وإنما تترك التفاصيل لفريقين، فريق المتخصصين في الفنون التي تتحدث عنها الدراسة، وفريق قيادات الواقع في مناطق إدارة التوحش، وعندما تأتي بعض التفاصيل في ثنايا الدراسة فإنما تأتي لأهميتها أو كمثال لشحذ الذهن. إدارة التوحش هي المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة، وهي تعد أخطر مرحلة، فإذا نجحنا في إدارة هذا التوحش ستكون تلك المرحلة – بإذن الله – هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة، وإذا أخفقنا – أعاذنا الله من ذلك – لا يعني ذلك انتهاء الأمر، ولكن هذا الإخفاق سيؤدي لمزيد من التوحش..!!}(4). 

                                                       ــ 3 ــ

الموضوع إذن منذ بدايته هو موضوع “سيطرة وإدارة”، ولا علاقة لمنهاج الله ووصاياه وتعاليمه بالأمر، فهي قضية مرتهنة باجتهاد البشر مثل كل الإدارات. ونحن نرغب بأن نسأل “المتخصصين في الفنون” و” قيادات الواقع”، ونسأل السيد أبا بكر نفسه: ما هو دليله الشرعي المنقول من صريح الدين في مسألة إدارة التوحش هذه؟ وهل هذا الحكم الذي قرّره بأن: { إدارة التوحش هي المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة، وهي تعد أخطر مرحلة، فإذا نجحنا في إدارة هذا التوحش ستكون تلك المرحلة – بإذن الله – هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة}، هل هذا الحكم حكم شرعي، ثبت من الدين بالضرورة(نصاً أو اجتهاداً)؟ أم هو اجتهاد عقلي خاص به، أوجبه النظر والرأي وحكم منطقه هو، لا نصوصاً دينية شرعية؟

كما أننا نتساءل عن أخص المراحل التي شهدتها الدولة الإسلامية في الماضي، حقبة الخلفاء الراشدين وذروتها مرحلة خلافة عمر بن الخطاب؟َ! وحقبة الخلافة الأموية وذروتها خلافة عمر بن عبد العزيز؟! والدولة الزنكية، ورأسها فترة تولي السلطان نور الدين محمود آل زنكي على رأسها؟! والدولة الأيوبية وذروتها في فترة تولي السلطان صلاح الدين الايوبي.؟! هذه نماذج تفضيلية لا أكثر، فهل في هذه النماذج من التجربة الإسلامية التاريخية ما استحال تحققه وظهوره على واقع الحياة والمجتمع، ما لم يكن إلا بعد المرور بمرحلة مستقطعة ومقدمة ممهدة حيث {هذا التوحش.. ستكون تلك المرحلة – بإذن الله – هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة}.؟

ثم يتابع: {خالفَتْ هذه الأنظمة عقيدة المجتمعات التي تحكمها، وقامت مع مرور الوقت والتدرج في الانحطاط بتضييع وبسرقة مقدرات تلك الدول وانتشرت المظالم بين الناس. وطبقاً للسنن الكونية المحضة نجد أن القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع، أو حتى ليس من أجل العقيدة والحق، بل من أجل رد المظالم والعدالة التي يتفق عليها الجميع المؤمن والكافر}(5).

الحق أن السيد أبا بكر ناجي يحيلنا إلى رزمة من الإشكالات والقضايا؛ أولها “مخالفة تلك الأنظمة لعقيدة المجتمعات التي تحكمها”، وثانيها “تضييع وسرقة مقدرات تلك الدول”، وثالثها “انتشار المظالم بين الناس”.. أما الأهم من كل هذا فهو” طبقاً للسنن الكونية المحضة، فإن القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع” هي المرشحة من باب أولى، أن تأخذ المبادرة وقصب السبق في أن “تحكم المجتمعات”، وأن تديرها ولو مرحلياً إدارة متوحشة كما يرى. لا من أجل “عقيدة المجتمعات فحسب”، بل أكثر من ذلك، “من أجل رد المظالم والعدالة التي يتفق عليها الجميع: المؤمن والكافر”.. من أجل كل هذا، وتشميلاً لما سبق، وجدنا أن الطالبان الذين حكموا أفغانستان، وجماعة “الشباب المسلم” في الصومال، وجماعة “بوكو حرام” في نيجيريا، وتنظيم داعش في سوريا والعراق، قد انجزوا هذه المهمة وفق أعلى معايير النجاح الممكنة، فأوقفوا ذلك “التدرج في الانحطاط وتضييع وسرقة مقدرات تلك الدول”، مثلما أوقفوا “انتشار المظالم التي انتشرت بين الناس”، بينما فاتت هذه الحظوة أخوانهم في الإنسانية، مثل مجتمع كوريا الجنوبية واليابان وسويسرا وفرنسا وهولاندا والسويد؛ أولئك الذين “لم يطبقوا عقيدة المجتمعات التي يحكمونها، حيث أهدروا وضيعوا مقدرات تلك الدول، حيث انتشرت المظالم بين الناس”.

ويبدو أنه من سوء حظهم، أنهم لم يعثروا على تلك “القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع”. لكن السؤال الأهم والأجدر بالطرح هو: هل يوجد في مجتمعاتهم من أمثال السيد أبو بكر ناجي أم أنها، ولسوء حظهم، مفتقرة حتى العدم، إلى وجود أمثاله وعبقريته وإلماعاته التي لن يجدوها في مجتمعهم، لشقائهم وسوء حظهم..؟ وسوف أستعير مثالاً بسيطاً: لا أدري من قام بتفجير السفارة الأمريكية في دار السلام عاصمة تنزانيا، وفي العاصمة الكينية “نيروبي” عام 1998، هل هم “أهل الفنون والاختصاص” أم “قيادات فقه الواقع”، لكن الذي أدريه أن التفجير قتل أكثر من مائتين وخمسين إنساناً من الأفارقة، ممن كان بجوار السفارة أو حضر لمراجعتها لغرض ما، ولم يقتل من الأمريكيين سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص من الحراسة الخارجية، أو عمالاً في الحديقة؛ أعلن بعدها أهل “قيادات فقه الواقع” أنهم قد أعلنوا الحرب على “اليهود والنصارى”، وأنهم أثخنوا في “العدو الأمريكي” وصدعوا عراقيبه حتى الشلل.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: